تابعنا على لينكد إن

لابدّ وأنّكم سمعتم من قبل بالإحصائية التالية: الرجال يتقدمون لشغل وظيفة ما، إذا كانوا يلبّون المؤهلات المطلوبة فيها بنسبة 60% فقط، في حين أنّ النساء لا يتقدمن إلا إذا كنّ يلبّين تلك المؤهلات بنسبة 100%.

وردت هذه النتيجة للمرة الأولى في تقرير داخلي ضمن شركة هيولت باكارد، ثم نُشرت في كتابين، أحدهما بعنوان “سر الثقة”، وفي عشرات المقالات الأخرى. وعادة ما تُذكر هذه النتيجة في مواضع كثيرة كدليل على أنّ النساء بحاجة إلى قدر أكبر من الثقة. فكما ذكرت إحدى المقالات المنشورة في مجلة فوربس، إنّ “الرجال يكونون واثقين من قدراتهم عندما تصل النسبة إلى 60%، في حين أنّ النساء لا يشعرن بالثقة ما لم يكنّ قد لبينّ كل الشروط الواردة في قائمة البنود المطلوبة بالكامل”. والنصيحة التي تقدمها المجلة هنا، هي أنّ النساء بحاجة إلى امتلاك المزيد من الإيمان بأنفسهن.

أما أنا، لطالما كنت أشعر بالتشكيك حيال ذلك، لأنني في كل المرات التي قررت فيها شخصياً عدم التقدم إلى وظيفة ما لأنني لم أكن أمتلك جميع المؤهلات المطلوبة لها، لم تكن المشكلة بالضبط هي فقداني لثقتي بنفسي. وأعتقد أنني لم أكن وحيدة في شعوري ذاك.

لذلك، أجريت مسحاً شمل أكثر من ألف رجل وامرأة من الأميركيين ذوي الاختصاصات الفكرية والمهنية، وطرحت عليهم رجالاً ونساء السؤال التالي: “إذا كنت قد قررت عدم التقدّم إلى وظيفة معينة لأنك لم تكن تتمتع بكل المؤهلات المطلوبة، فلماذا لم تتقدم لشغل الوظيفة؟”.

ووفقاً للإجابات الذاتية للمشاركين في المسح، لم يكن الحاجز الذي منع الشخص من التقدم لشغل الوظيفة هو غياب الثقة. فبالنسبة للرجال والنساء، على حد سواء، كانت الإجابة القائلة “لم أكن أؤمن بقدرتي على إنجاز العمل على أحسن وجه” أقل إجابة مشتركة بين الإجابات. ولا تتجاوز النسبة 10% من الرجال و12% من النساء فقط، التي أشارت إلى ذلك السبب بوصفه السبب الأساسي لعدم التقدم.

كما أنّ الرجال والنساء قدموا الإجابة ذاتها، والتي كانت أكثر الإجابات شيوعاً بخصوص سبب عدم التقدم، حيث نالت هذه الإجابة ضعفي مقدار شعبية أي إجابة أخرى، حيث أشار 41% من النساء و46% من الرجال إلى أنّ سبب عدم تقدمهم لشغل الوظيفة هو: “لم أكن أعتقد أنهم سيوظفونني بما أنني لم أكن أحمل المؤهلات المطلوبة، ولم أكن أرغب في هدر وقتي وطاقتي”.

بعبارة أخرى، الناس الذين لم يتقدموا إلى الوظيفة كانوا يؤمنون أنهم بحاجة إلى المؤهلات ليس لإنجاز الوظيفة على أحسن ما يُرام، وإنما ليحصلوا على الوظيفة في المقام الأول. وكانوا يؤمنون بأنّ المؤهلات المطلوبة بسيطة. وهم لم ينظروا إلى عملية التوظيف بوصفها عملية يمكن فيها للمهارة في الحديث أو امتلاك العلاقات المناسبة أو الإبداع في التغطية أن تتغلّب على عدم امتلاك المهارات والخبرات المبينة في شروط الوظيفة المعلن عنها.

وبالتالي، لم تكن نظرتهم الخاطئة إلى أنفسهم هي ما منعهم من التقدم، وإنما نظرتهم الخاطئة إلى عملية التوظيف.

وهذا أمر أساسي وحاسم، لأنّ ذلك يعني بأنّه لو كانت النتيجة التي توصلت إليها شركة هيولت باكارد تمثّل توجهاً أكبر، فإنّ النساء لسن بحاجة إلى محاولة البحث عن تلك الصفة الغامضة المتمثلة بـ”الثقة بالنفس”، وإنما هنّ بحاجة إلى معلومات أفضل حول الآليات التي تسير بموجبها عملية التوظيف.

وهذا، باعتقادي، هو السبب الذي يجعل الكثير من النساء يقتبسن هذه النتيجة من تقرير هيولت باكارد إلى هذه الدرجة، وبهذا الشغف، وأعتقد أنّ هذا الأمر مفيد جداً. أما بالنسبة للنساء اللواتي لم يكنّ يتقدمن إلى الوظائف لأنهنّ يعتقدنّ أنّ المؤهلات المعلنة يجب أن تكون موجودة لديهن، فإنّ هذه الإحصائية يجب أن تفتح عيونهن إلى الحقيقة القائلة أنّ ليس جميع الناس يلعبون اللعبة وفق تلك القواعد. فعندما تعلم النساء بأنّ الآخرين يحاولون التقدم لشغل الوظيفة حتى لو كانوا غير حاصلين على جميع المؤهلات المطلوبة للوظيفة، يعطيهن ذلك الخيار ليفعلن الشيء ذاته أيضاً.

وفي الاستطلاع نفسه الذي أجريته، كانت هناك نسبة إضافية من النساء تبلغ 22% من اللواتي أشرن إلى أنّ السبب الأول لعدم التقدم هو “لم أكن أعتقد بأنّهم سيوظفونني بما أنّني لم أكن أمتلك المؤهلات المطلوبة، ولم أكن أرغب في أن أضع نفسي في هذا الموضع طالما أن احتمال الفشل كان هو الاحتمال الأرجح”. هؤلاء النسوة كنّ أيضاً يصدّقن “القواعد” الموجودة على الورق بخصوص من يحق له الحصول على الوظيفة، ولكن بالنسبة لهنّ، تكلفة التقدم لشغل الوظيفة كانت تتمثل في خطر الفشل، وليس في هدر الوقت والطاقة. والملفت في الأمر هو أنّ 13% فقط من الرجال كانوا قد أشاروا إلى عدم رغبتهم في المحاولة والفشل بوصفه سببهم الأول. ربما تكون من الحكمة أن تشعر النساء بخشية أكبر تجاه احتمال الفشل، ولا سيما مع وجود أدلة وبراهين تشير إلى أنّ حالات الفشل لدى النساء تعلق في ذاكرتهن لفترة أطول من بقاء حالات فشل الرجال في ذاكرتهم. لكن هذا النوع من التحيز يقودنا لأن نصبح مفرطين في خوفنا من الفشل، بحيث نتجنّبه أكثر من اللزوم، وبطرق لا تخدم أهدافنا المهنية. وهذا الفرق بين الجنسين يشير إلى أننا بحاجة إلى توسيع النقاش الدائر حالياً بخصوص علاقة المرأة مع الفشل، وإلى استكشاف مدى تأثير الانحياز، والتهديد بالمعاملة وفق الصورة النمطية، وندرة النساء اللواتي يشغلن مناصب قيادية، ونسب النجاح الأعلى للفتيات في المدارس وغيرها من العوامل المشابهة.

وكان هناك فرق كبير بين الجنسين في الإجابات المتعلقة بسبب آخر: فقد أشارت 15% من النساء إلى أنّ السبب الأول لعدم تقدمهن لشغل الوظيفة كان “لأنني كنت أتبع القواعد والإرشادات المتعلقة بمن يحق لهم التقدم”، بينما لم تبلغ نسبة الرجال الذين اختاروا هذه الإجابة بوصفها الإجابة الأولى سوى 8% فقط. والأمر غير المفاجئ هو أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار مقدار التربية الاجتماعية للفتيات، التي تطالبهن بالالتزام بالقواعد، فإنّ عادة “اتباع الإرشادات” كانت عائقاً أكبر أمام التقدم في حالة النساء مقارنة بالرجال.

هذه العوائق الثلاثة جميعها، والتي تشكّل معاً ما نسبته 78% من الأسباب التي دفعت النساء إلى عدم التقدم لشغل الوظائف، مرتبطة بالاعتقاد القائل أنّ المؤهلات المطلوبة لشغل الوظيفة هي متطلبات حقيقية، ومرتبطة أيضاً بالنظر إلى عملية التوظيف على أنها أكثر التزاماً بالقواعد وبالإرشادات النظرية مما هي عليه في الواقع. وبالتالي، من المنطقي تماماً أن تأخذ النساء المؤهلات المطلوبة لشغل الوظيفة بعين الاعتبار بقدر أكبر من الرجال، لعدة أسباب:

أولاً، نظراً للانحياز الموجود في بعض بيئات العمل، فإنّ النساء على الأرجح بحاجة إلى الإيفاء بعدد أكبر من المؤهلات ليجري توظيفهن مقارنة بنظرائهم من الرجال. على سبيل المثال، توصّل تقرير وضعته شركة ماكينزي إلى أنّ الرجال يُوظفون غالباً ويرقّون في وظائفهم بناء على قدراتهم الكامنة، بينما توظف النساء وترقين استناداً إلى خبراتهن وسجلهن السابق. فإذا شهدت النساء حصول هذا الأمر في أماكن عملهن، يكون من المنطقي تقدمهن لشغل الوظيفة التي لا يلبّين شروطها أقل.

ثانياً، تجري تربية النساء في المجتمع بقوة على فكرة اتباع القواعد، وفي المدارس تجري مكافأتهن، مراراً وتكراراً، على اتباعهن لها. وعليه، فإنّ النسبة الأعلى لنجاح الفتيات في المدارس (مقارنة بالفتيان) يمكن أن تُعزى جزئياً إلى التزامهن بشكل أفضل بالقواعد. وبعد ذلك وفي حياتهن المهنية، تترك هذه العادة المتعلقة باتباع القواعد تبعات حقيقية على النساء، بما في ذلك عندما يتعلق الأمر بالالتزام بالقواعد الخاصة بـ”من يحق لهم التقدم لشغل الوظائف”.

ثالثاً، لطالما كانت الشهادات الدراسية والجامعية قد لعبت تاريخياً دوراً مختلفاً بالنسبة للنساء مقارنة بالرجال. فقد شهد القرن العشرين دخول النساء إلى الحياة المهنية، لكن ذلك كان مقترناً بامتلاكهن للتدريب الصحيح والمؤهلات المناسبة. فهذه المؤهلات كانت هي جواز سفرنا للعبور إلى عالم الوظائف، والطريقة التي كنّا نثبت بها قدرتنا على أداء المطلوب منا في أي وظيفة. ولم يكن حالنا حال الرجال الذين كانوا دائماً يحظون بالكثير من غض الطرف عن أي نقص محتمل في مؤهلاتهم. وهذا التاريخ برأيي يمكن أن يقود النساء إلى رؤية مكان العمل بوصفه مكاناً أكثر التزاماً بالقواعد وأكثر احتراماً للجدارة مما هو عليه في الواقع. ونتيجة لذلك، فقد نبالغ في تقدير أهمية تدريباتنا ومؤهلاتنا الرسمية، ولا نستغل قدراتنا في المطالبة بحقوقنا وقدارتنا التشبيكية بما يكفي.

عندما دخلت إلى عالم العمل وكنت لا أزال في العشرينيات من عمري، كنت أفاجأ دائماً بأنّ الناس لم تكن تمتلك الجرأة لمواجهة من هم في السلطة وإخبارهم بالحقيقة في وجوههم. فالكثير من القرارات الرئيسية كانت تتخذ والكثير من الموارد كانت تخصص ليس على أساس جودة البيانات أو التمعن بالأفكار، وإنما استناداً إلى من كان يمتلك العلاقات الصحيحة أو لديه الجرأة لاقتراح خطط كبيرة.

لقد احتجت إلى فترة غير قصيرة من الزمن لكي أفهم بأنّ عادات التحضير المناسب وإنجاز العمل بجودة عالية وإتقان، والتي تعلّمتها في المدرسة لم تكن الشروط الوحيدة – أو الأساسية حتى – التي كنت أحتاجها لكي أبرز وأنجح ضمن مؤسستي.

وعندما يتعلق الأمر بالتقدم لشغل الوظائف، فإنّ النساء بحاجة إلى فعل الشيء ذاته. بالطبع، لا بأس بأن نمتلك قدراً أكبر من الثقة بأنفسنا. ولكن في هذه الحالة من الأهم أكثر أن يكون إيماننا بالقواعد الظاهرية المكتوبة أقل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن عمل جديد

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz