إليكم سيناريو عملي يعرفه الكثير منا جيداً: عندما تكون في اجتماع ويعرض مديرك مشروعاً يجب تكليف أحد به. إنه ليس بالعمل الصعب، ولكنه يستغرق وقتاً طويلاً ومن غير المرجح أن يؤدي إلى تحقيق أرباح، وربما لن يجري تقديره أو إضافته إلى تقييم أدائك. وبينما يصف مديرك المشروع ويطلب متطوعاً له، تصبح أنت وزملاؤك صامتين ومرتبكين، ويأمل الجميع أن يرفع شخص آخر يده. يصبح الانتظار مزعجاً على نحو متزايد، ثم - وأخيراً - يتحدث شخص ما قائلاً: "حسناً، سأفعل ذلك".

تشير أبحاثنا إلى أنّ هذا المتطوع المتردد يكون على الأرجح من النساء. وخلال دراسات ميدانية ومعملية، وجدنا أنّ النساء تتطوع لأداء هذه المهام "التي لا تؤدي إلى الترقيات" أكثر من الرجال، وأنه يُطلب من النساء أداء مثل هذه المهام في كثير من الأحيان، وحين يُطلب منهن ذلك؛ فمن المرجح أن يوافقن.

وهذا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على النساء. إذا كنّ مثقلات بشكل غير متناسب بعمل لا يتمتع بوضوح أو تأثير كبير؛ فإنّ الأمر سيستغرق وقتاً أطول منهن للتقدم في حياتهن المهنية. يساعد بحثنا على تفسير سبب حدوث هذه الاختلافات بين الجنسين وما يمكن أن يفعله المدراء لتوزيع هذا العمل بشكل أكثر إنصافاً.

ما هي المهام التي لا تؤدي إلى ترقيات؟

المهام التي لا تؤدي إلى ترقيات هي تلك المهام التي تستفيد منها المؤسسة لكنها على الأرجح لا تساهم في تقييم أداء الموظف أو تقدمه الوظيفي. تشمل هذه المهام الأعمال المكتبية التقليدية مثل تنظيم حفلة في يوم عطلة، بالإضافة إلى مجموعة أوسع من المهام مثل تعويض غياب زميل أو العمل في لجنة منخفضة المستوى أو القيام بأعمال روتينية لا تتطلب مهارة كبيرة أو ليس لها تأثير كبير.

وتختلف طبيعة هذه المهام باختلاف المجالات والمهن. على سبيل المثال، في الصناعة، تؤدي المهام المدرة للأرباح إلى ترقيات أكثر من المهام غير المدرة للأرباح. وفي المجال الأكاديمي، تؤدي المهام المتعلقة بالبحوث إلى ترقيات أكثر من المهام المتعلقة بالخدمات. وعلى مستوى الأفراد، ربما تؤدي المهمة إلى ترقية بالنسبة للموظفين المبتدئين لكنها لا تؤدي إلى ذلك بالنسبة للمدراء الكبار.

وأظهرت الدراسات التي أُجريت على مجال الصناعة والمجال الأكاديمي (التي أجرتها إيريني دي باتر وزملاؤها، وسارة ميتشل وفيكي هيسلي وجويا ميسرا وزملاؤها، وغيرهن) أنّ هناك اختلافات منتظمة بين الجنسين في كيفية توزيع العمل، إذ تقضي النساء وقتاً أطول نسبياً من الرجال في أداء المهام التي لا تؤدي إلى ترقيات ووقتاً أقل في المهام التي تؤدي إلى ترقيات. تُعد هذه الاختلافات مهمة لأنها تفسر استمرار وجود مسارات مختلفة تماماً في الترقيات بين الرجال والنساء، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته النساء في التعليم وسوق العمل. وستستمر النساء في التقدم ببطء أكبر من الرجال إذا كان لديهن سجل من المهام التي لا تؤدي إلى ترقيات.

وعلى الرغم من أنّ ما يجعل أي مهمة لا تؤدي إلى ترقية يختلف باختلاف المهن، عادة ما يكون هناك اتفاق داخل المهنة بشأن المهام التي لا تؤدي إلى ترقية وتلك التي تؤدي إلى ترقية. على سبيل المثال، في دراسة استقصائية أُجريت على 48 من أعضاء هيئة التدريس في جامعة كارنيغي ميلون الأميركية، وجدنا أنّ 90% منهم اتفقوا على أنّ الأستاذ المساعد لديه فرصة أكبر للترقية إذا خصص وقت الفراغ للبحث بدلاً من العمل في اللجان (مثل مجلس الكلية). وبشكل منفصل، بالنظر إلى بيانات جُمعت من جامعة أميركية عامة، وجدنا أنه عندما طُلب من جميع أعضاء هيئة التدريس البالغ عددهم 3,271 أستاذاً التطوع للمشاركة في إحدى لجان مجلس الكلية، قرر 3.7% منهم فقط القيام بذلك - لكن 7% من النساء تطوعن لذلك مقارنة بنسبة 2.6% من الرجال.

هناك بالطبع العديد من الأسباب التي تجعل النساء يتطوعن أكثر من الرجال. ربما يكون السبب هو أنّ النساء أفضل في هذه المهام أو يستمتعن بها أكثر من زملائهن الرجال. ولاختبار هذه التفسيرات، أجرينا سلسلة من التجارب المعملية في مختبر بيتسبرغ للاقتصاد التجريبي. وشارك إجمالي 696 طالباً من جامعة بيتسبرغ في هذه الدراسات.

من يتطوع، ولماذا؟

صممنا تدريباً بسيطاً على اتخاذ القرار لفحص من يوافق على أداء المهمات التي لا تؤدي إلى ترقيات. ويحاكي هذا التصميم السيناريو الذي افتتحنا مقالنا به، أي البحث عن متطوع لمشروع في اجتماع عمل.

في التجربة الأولى، كان لدينا مشاركون من الرجال والنساء يجلسون أمام حاسوب في المختبر ويتخذون القرارات في 10 جولات. وفي كل جولة، كان يجري تصنيف المشاركين إلى مجموعات جديدة مكونة من ثلاثة أفراد (كانوا يعلمون أنهم كانوا متطابقين مع مشاركين آخرين في الغرفة، لكن لم يعلموا من هم تحديداً)، وكان عليهم أن يضمنوا اختيار متطوع من المجموعة للنقر على زر في شاشة الحاسوب. ومُنحت كل مجموعة دقيقتين لاتخاذ القرار، على أن تنتهي الجولة بمجرد أن يتطوع أحد الأشخاص. وإذا لم يتطوع أحد، يحصل كل عضو في المجموعة على دولار واحد. وإذا تطوع أحد، فإنه يحصل على 1.25 دولار بينما يحصل العضوان الآخران في المجموعة على دولارين. ولذلك كان كل عضو في المجموعة أفضل حالاً إذا تطوع أحدهم، لكن المتطوع استفاد بصورة أقل.

بشكل عام، كان المشاركون مترددين للقيام بالتطوع؛ ففي حين أنّ 84% من المجموعات نجحت في إيجاد متطوع، لم يحدث ذلك عادة إلا في الثواني الأخيرة من الجولة التي استغرقت دقيقتين. الأهم من ذلك، لم يكن معدل التطوع هو نفسه بالنسبة للرجال والنساء. وفي المتوسط بعد عشر جولات، وجدنا أنّ النساء كنّ أكثر ميلاً للتطوع من الرجال بنسبة 48%، ورأينا هذا الفارق في كل جولة من الجولات العشر.

ولأن المهمة التطوعية في هذه التجربة كانت النقر على زر في شاشة حاسوب، يمكننا استبعاد إمكانية أنّ النساء تطوعن أكثر لأنهن كنّ أفضل في أداء المهمة أو استمتعن بها أكثر من الرجال.

لكن الاختلافات بين الجنسين في التفضيلات قد تساهم (على الرغم من ذلك) في اختلاف العمل التطوعي. على وجه الخصوص، قد تتطوع النساء أكثر لأنهن ربما أكثر تجنباً للمخاطرة أو الإيثار من الرجال. ولدراسة هذا الأمر، نظرنا إلى قياسات الدراسة لمستوى القبول والإيثار والانشقاق وتجنب المخاطرة لدى المشاركين. وفي حين ترتبط بعض القياسات بقرار التطوع، لم يفسر أي منها سبب الاختلافات بين الجنسين.

ولدراسة تأثير التفضيلات مباشرة؛ أجرينا أيضاً تجربة ثانية، حيث كانت لدينا مجموعات من الرجال فقط ومجموعات من النساء فقط بدلاً من مشاركة الرجال والنساء في مجموعات معاً.

إذا كان الاختلاف في العمل التطوعي ناتجاً عن كون النساء أكثر تجنباً للمخاطرة أو الإيثار من الرجال، إذن، ينبغي لنا أن نرى معدلات أكبر من التطوع في مجموعاتنا النسائية أكثر من مجموعاتنا الذكورية. لكننا وجدنا أنّ معدلات التطوع كانت متطابقة، ولم تكن احتمالات تطوع النساء أكبر من الرجال عندما كان الجميع في مجموعة من الجنس ذاته.

وقد ساعد هذا على استبعاد التفسير القائل إنّ التفضيلات كانت هي سبب الاختلاف بين الجنسين في التطوع خلال دراستنا المختلطة. وبدلاً من ذلك، أشارت هذه النتائج إلى أنّ الدافع الحقيقي كان التفاهم أو التوقع المشترك بأن تتطوع النساء أكثر من الرجال. وفي مجموعة مختلطة الجنسين، سيتراجع الرجال عن التطوع، في حين ستتطوع النساء بالمقابل لضمان تنفيذ المهمة. ولكن في مجموعات الجنس الواحد، يتغير هذا الوضع - إذ يتطوع الرجال والنساء بالتساوي. في هذه المجموعات، يعلم الرجال أنّ عليهم التقدم للأمام إذا أرادوا إيجاد متطوع، وتتوقع النساء أن تتطوع نساء أخريات؛ ما يجعلهن غير مجبرات على فعل ذلك بأنفسهن. ومن المثير للاهتمام، أنه في مجموعات النساء ينتهي الأمر بتقسيم التطوع بالتساوي على مدار الجولات العشر، بينما يميل في مجموعات الرجال إلى الوقوع على الشخص ذاته في كل مرة.

من الذي يُطلب منه التطوع؟ ولماذا؟

وللتأكد من أنّ الأشخاص يتوقعون أن تتطوع النساء أكثر من الرجال؛ أجرينا تجربة ثالثة، وأضفنا هذه المرة شخصاً رابعاً - مدير- إلى المجموعة. وفي بداية كل جولة، كان على المدير أن يطلب علناً من أحد أعضاء المجموعة الجديدة المكونة من ثلاثة أفراد أن يتطوع. (لم يكن بإمكان المدير أن يتطوع بنفسه. لقد رأوا صوراً لأعضاء مجموعتهم الآخرين ونقروا على صورة الشخص الذي أرادوا سؤاله). وكان المدير يحصل على دولارين إذا تطوع شخص من المجموعة ودولار واحد إذا لم يتطوع أحد. وظلت قواعد المجموعة المكونة من ثلاثة أعضاء كما هي - أي يحصل كل عضو على دولار واحد إذا لم يتطوع أحد، لكن إذا تطوع أحد؛ فإنه يحصل على 1.25 دولار بينما يحصل أعضاء المجموعة الآخرين على دولارين. وتمتع المدراء بحرية طلب التطوع من أي عضو في المجموعة، لكننا توقعنا أنهم على الأرجح سيطلبون من النساء أكثر من الرجال.

وكان هذا بالضبط هو ما وجدناه: تتلقى النساء مطالبات أكثر للتطوع من الرجال بنسبة 44% في المجموعات المختلطة. وما يثير الاهتمام أنّ جنس المدير لم يحدث أي فارق: كان كلا المدراء الرجال والنساء أكثر ميلاً لمطالبة المرأة بالتطوع. كان هذا قراراً حكيماً على ما يبدو: إذ كانت النساء أيضاً أكثر ميلاً للموافقة، ووافق الرجال على طلب التطوع في 51% من الوقت، بينما وافقت النساء في  76% من الوقت.

هل يمكننا أن نكون أكثر إنصافاً؟

تثبت دراساتنا أنه على الرغم من أنّ الرجال والنساء لا يرغبون حقاً في التطوع لأداء المهام عديمة الجدوى، تتطوع النساء أكثر ويطلب منهن التطوع أكثر ويقبلن هذه الطلبات أكثر من الرجال. ولا يبدو أنّ هذه الاختلافات ناتجة عن الاختلافات بين الجنسين في التفضيلات، بل ناتجة من الاتفاق المشترك على أنّ النساء سيتطوعن أكثر من الرجال.

وفي حين أنّ نتائجنا مقلقة، فإنها تقدم أيضاً جانباً إيجابياً في توضيح كيف يمكن للموظفين والمدراء تقليل عدم المساواة في مهام العمل. لا يكمن الحل في أن ترفض النساء المزيد من طلبات العمل، وهو ما يمكن أن يطرح المشاكل على المؤسسات وينعكس بالسلب عليهن، ولكنه يتمثل في أن تجد الإدارة أساليب لتوزيع المهام على نحو أكثر إنصافاً. وبدلاً من طلب متطوعين أو مطالبة النساء بالتطوع لأنهن أكثر ميلاً للموافقة، يمكن أن يفكر المدراء مثلاً في توزيع المهام على الموظفين بالتناوب. إنّ إدراك أنّ النساء يتطوعن أكثر لأن الرجال يترددون في القيام بذلك يجب أن يدفع الرجال أيضاً إلى التطوع أكثر وأن يمكّن النساء من المطالبة بمعاملة أكثر إنصافاً.

يجب أن يكون تغيير هذه الديناميكية أولوية لأي منظمة ترغب في  تطوير أكثر موظفيها كفاءة، إذ يُمنع الموظفون الذين يقضون وقتاً أطول في أداء المهام التي لا تؤدي إلى ترقيات من إظهار كامل إمكاناتهم. وإذا وقع هذا العبء على النساء بشكل غير متناسب؛ فلن يتوقف تطورهن فحسب، بل تفشل المؤسسات أيضاً في اقتناص المواهب القيمة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!