تقف الشركات التي تتعامل بصورة مباشرة مع المستهلكين في حيرة من أمرها حين تتقلص الطبقة المتوسطة التي لطالما مثلت الشريحة الأساسية  للشركات الاستهلاكية بمختلف أنواعها في الأسواق الناضجة. أما الأسواق الناشئة التي وضعت عليها كثير من الشركات الاستهلاكية رهاناتها من أجل المستقبل، فالنمو آخذ في التباطؤ. وكي تعاود تلك الشركات ازدهارها مرة أخرى فهي تحتاج إلى تطبيق معايير دقيقة في تحديد شرائح المستهلكين الأولى بالاهتمام. يقدم هذا البحث خمسة أسئلة من شأنها أن تساعد في تحديد معالم الطريق:
  • هل يمتلك المستهلك القدرة على الوصول إلى الإنترنت؟
  • هل يمتلك قدراً وافراً من فائض الدخل؟
  • هل لديه الاستعداد لإنفاق قدر كبير من فائض دخله؟
  • هل يفضل الحصول على السلع والخدمات فائقة الجودة عند قدرته على شرائها؟
  • هل يسعى لأن يكون في مقدمة الاتجاهات الاستهلاكية؟
إن المستهلكين الذين يجيبون عن الأسئلة الخمسة جميعها بكلمة "نعم" هم أولئك الذين نطلق عليهم وصف "المستهلكين المتصلين بالإنترنت". وإذا اقتربنا منهم أكثر نجد أن غالبيتهم تقريباً في سن العمل، وأن ما يزيد على نسبة 30% منهم تتراوح أعمارهم ما بين 25 و34 سنة. كما أنهم حضريون بدرجة كبيرة؛ فنحو 80% من المستهلكين المتصلين بالإنترنت يعيشون في المدن، أما في الأسواق الناشئة فهذه النسبة أعلى من ذلك، حيث تسجل 90%. ومع أن المستهلكين المتصلين بالإنترنت أكثر ثراء من الحد المتوسط، لكن ليس جميعهم من ذوي الدخول المرتفعة. وفي المقابل لا يصنف جميع المستهلكين أصحاب الدخل الجيد ضمن شريحة المستهلكين المتصلين بالإنترنت. وعلى الصعيد العالمي يشكل المستهلكون المتصلون بالإنترنت نحو ثلث سكان العالم من ذوي الدخل المنخفض، وثلثي السكان من ذوي الدخل المرتفع. واليوم يمثل المستهلكون المتصلون بالإنترنت نسبة 19% تقريباً من إجمالي سكان العالم، ومن المتوقع لهذه النسبة أن تزيد لتبلغ 37% بحلول عام 2025. وعلى أساس  تراكمي سوف ينفق هؤلاء على مدى هذا العقد 260 تريليون دولار أميركي، أي نسبة 46% من الإنفاق الاستهلاكي لسكان العالم. وفي أسواق مثل الولايات المتحدة الأميركية التي لا تكاد تقل فيها نسبة الوصول إلى الإنترنت عن 90%، نجد أن نسبة 36% فقط من سكانها الحاليين هم من المستهلكين المتصلين بالإنترنت. وهي النسبة التي سوف تزيد لتتجاوز 50% بحلول العام 2025. يمثل المستهلكون المتصلون بالإنترنت المشترين الأكثر كثافة في الشراء ضمن الفئات التجارية التي تشمل الإلكترونيات والسفر وتناول الأطعمة خارج المنزل، بل يُرجّح أنهم أول من احتضنوا طرق الشراء الجديدة التي ظهرت في جميع الفئات التجارية. ومن أمثلة ذلك في فئة الخدمات المالية الطرق المستحدثة للدفع غير النقدي ومنتجات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول. وفي مجال الإعلام ينجذب أفراد هذه الشريحة تجاه اقتناء أجهزة متعددة كما ينجذبون إلى أحدث الخدمات لتشغيل الملفات المرئية والمسموعة. وفي فئات السلع الاستهلاكية المعبأة ينجذب المستهلكون المتصلون بالإنترنت نحو الموضوعات "المثيرة" مثل الصحة والعافية، والعروض التي تجمع ما بين تجربة المنتج وشرائه كالخدمات التي تسبق الاشتراكات. كما أنهم يفتتنون بتجارب التسوق الجديدة كتقديم عروض الطهي داخل المتاجر وتطبيقات التسوق التي تساعدهم في العثور على المنتجات وتمكنهم من الاختيار من بينها بطرق أكثر أريحية. فما هو السبيل الذي ينبغي للشركات أن تسلكه في التعامل مع المستهلكين المتصلين بالإنترنت؟ ينبغي للشركات أولاً أن تدرك أنه لا بد للمستهلكين المتصلين بالإنترنت أن يكونوا قادرين على الاتصال بالإنترنت في المقام الأول. وتتباهى الأسواق الناضجة بامتلاكها مستويات وصول إلى الإنترنت تقترب من المستويات العالمية، لكن تقديراتنا تشير إلى أن مزيداً من المستهلكين يبلغ تعدادهم 2.3 مليار مستهلك سيكونون على اتصال بالإنترنت في العقد القادم ومعظمهم في الأسواق الناشئة. وبحلول عام 2025 ستبرز ثلاثة اقتصادات ناضجة فقط ضمن قائمة أكثر 10 بلدان تضم مستهلكين متصلين بالإنترنت، وهي الولايات المتحدة الأميركية واليابان وألمانيا، في حين أن هذه القائمة ستضم كلاًّ من إندونيسيا وباكستان ونيجيريا، وهي الأسواق التي لا تلقى اهتماماً كبيراً من الشركات الغربية. لذلك تحتاج الشركات إلى تطبيق استراتيجية ذات مسارين: استمالة المستهلكين المتصلين بالإنترنت الموجودين حالياً في أسواق الإنترنت الناضجة، والتي تمتلك فيها هذه الشركات استثمارات كبيرة، والاستعداد للمستهلكين المتصلين بالإنترنت الجدد وقتما يتصلون بالإنترنت في غضون الأعوام العشرة القادمة في الاقتصادات الناشئة، وهذا هو النهج الذي يتناسب مع الواقع المالي لأسواق العالم. ففي عام 2025 سوف يبلغ ما ينفقه "المستهلك المتصل بالإنترنت" العادي في الأسواق الناضجة نحو 40 ألف دولار أميركي سنوياً، أي ما يعادل عشرة أضعاف ما ينفقه مثيله في الأسواق الناشئة. يجب على الشركات الاستهلاكية في الأسواق الناشئة أن تثير حماسة المستهلكين القادرين فعلاً على الاتصال بالإنترنت تجاه المنتجات وتجارب التسوق التي تقدمها، حيث يبحث المستهلكون المتصلون بالإنترنت عن الأشياء الجديدة والتجارب المثيرة في جميع أنشطتهم الاستهلاكية، ويفضلون اقتناء المنتجات المتطورة والتقنيات الحديثة. لذا فإن ما يقتنع المستهلكون المتصلون بالإنترنت بشرائه هي تلك العروض التي تقدم منتجاً مثيراً بأسلوب مبتكر يعتمد على التقنية، أو تلك التي تحل مشكلة لدى المستهلك وتكون مصحوبة بعرض رقمي جديد. المستهلكون المتصلون بالإنترنت هم من جمهور الإعلانات الرقمية، لذا يعد التسويق والإعلان عبر الإنترنت بصفة عامة – وعبر الهواتف الذكية بصفة خاصة – استثماراً جيداً لجذب انتباه هذه الفئة من المستهلكين، لاسيما مع استخدام أشكال جديدة مثل الأحداث الرياضية التي تبث عبر الإنترنت، أو المواقع التي تجمع ما بين المحتوى المنتقى بعناية والتسوق عبر الإنترنت. ويتجاوب المستهلكون المتصلون بالإنترنت مع الإعلانات التقليدية كذلك، لكننهم يفضلون في الغالب تصفح المواقع الإلكترونية للمصنِّعين وتذكر إعلانات الإنترنت. ولا يشاهد المستهلكون المتصلون بالإنترنت إعلاناً إلا إن كان هذا الإعلان تثقيفياً أو وثيق الصلة بهم، ومن ثم فإن التحدي يتمثل في زيادة الثراء المعلوماتي للإعلان، وإضفاء الطابع الشخصي على محتواه وطريقة توصيله. وما الذي يعنيه "الاستعداد" للمستهلكين المتصلين بالإنترنت في الأسواق الناشئة؟ إنه يعني ثلاثة أمور ضرورية: أولها، تيسير السبل أمام المستهلكين لنقل سلوكهم الاستهلاكي إلى الإنترنت عندما تتاح لهم الفرصة للوصول إليه، بتوفير سبل الوصول الآمن والمريح إلى السلع والخدمات الرقمية الجديدة والتوعية بشأنها، حيث يستمتع المستهلكون المتصلون بالإنترنت بالتعرف على خصائص المنتجات. وتدرك غالبية الشركات أن عليها تسهيل التجارة الإلكترونية، لكنها لا تمتلك سوى القليل من الوعي بشأن الأهمية القصوى للجانب التوعوي في هذه الأسواق، وبخاصة مع عرض المنتجات والخدمات التي لا تتضح فوائدها بصورة مباشرة، مثل منتجات التأمين أو المنتجات العضوية ذات الصلة بالعناية بالصحة. فقد يكتفي البعض بتسهيل أمر شراء السلع على المستهلك، لكن هذا غير صحيح، ففي حالات كثيرة يقتضي الأمر إقران إتاحة الوصول إلى السلع بتوفير قدر كبير من توضيح خصائصها وفوائدها. ثانيها، تصميم المنتجات وتجارب التسوق بما يتماشى مع الوسائل الشائعة للوصول إلى الإنترنت في كل سوق على حدة، كما في مثال الصين التالي. إذ إن من المعروف في كثير من الاقتصادات الناشئة أن المستهلكين يلجؤون إلى الإنترنت باستخدام الهواتف الذكية وربما لا يستخدمون الحواسيب الشخصية مطلقاً، لكن ما يتجاهله البعض هو أن استراتيجية إعطاء الأولية للهاتف المحمول أو الاقتصار عليه دون غيره لا تتوافر في جميع الأسواق؛ ففي الصين تنتشر الهواتف الذكية بكثرة لدى المستهلكين من سكان المناطق الحضرية، ويجري استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في كل شيء من التسوق لشراء البقالة إلى دفع فواتير بطاقات الائتمان وشراء وثائق التأمين، لكن في مناطق أخرى مثل نيجيريا تعد التجارة التقليدية هي الأكثر شيوعاً ويقل التسوق باستخدام الهواتف الذكية، ويستعين المتسوقون في هذه المناطق بالبحث عن السلع إلكترونياً ثم شرائها من متاجر التجزئة المحلية. وأخيراً، لا بد من التحلي بالمرونة في تغيير ترتيب الأسواق من حيث الأولوية، لأن المستهلك المتصل بالإنترنت من الناحية المعنوية لا يكون كذلك من الناحية المادية إلا عندما يكون الوصول إلى الإنترنت مصحوباً بالعناصر الأخرى اللازمة لازدهار التجارة الإلكترونية، والتي تشمل وجود بنية تحتية للدفع عبر الإنترنت على نطاق السوق بأسره، وتوافر حلول لمشكلات نقل المنتج وإيصاله إلى "المستهلك الأخير"، ومن ثم يجب على الشركات أن تراقب تطور البنية التحتية لوسائل الاتصالات والنقل والخدمات المالية. المستهلكون المتصلون بالإنترنت متابعون ومتحمسون بطبيعتهم، ما يجعلهم المستهدف الرئيس للشركات. لكنهم أيضاً كثيرو المطالب، ويضعون توقعات واجبة الإرضاء. إنهم يبحثون عن السلع الجديدة والخدمات المستحدثة، التي تعتمد على أحدث التقنيات، لكنها لا تخلو من تقديم فوائد ملموسة، فضلاً عن إجرائهم لهذه العملية عبر الإنترنت للعثور على أفضل الأسعار. إن العائد المتحقق من الاستثمار في تلبية متطلباتهم لكبير، إذ إن إجمالي الإنفاق السنوي للمستهلكين المتصلين بالإنترنت سيرتفع من 15 تريليون دولار أميركي في عام 2015، وهو ما يعادل نسبة 35% من الإنفاق الاستهلاكي العالمي، ليبلغ 32 تريليون دولار أميركي في عام 2025، أي ما يزيد على نسبة 50% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي السنوي في ذلك الحين.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!