تابعنا على لينكد إن

يخلق القادة المتواضعون بيئةً أكثر تعاونية في العمل، ما يحسن من أداء الشركة على المدى الطويل. ويعود السبب لامتلاكهم رؤية متوازنة لأنفسهم من حيث إيجابياتهم وسلبياتهم معاً، ويقدّرون مساهمات ونقاط القوة لدى الآخرين بشكل جيد، فضلاً عن انفتاحهم على الأفكار الجديدة والآراء حول شركاتهم وأدائهم. و يساعد هؤلاء “الأبطال المجهولون” أعضاء فرقهم في تقدير ذواتهم، وأن يذهبوا أبعد من توقعاتهم، كما يساعدون على خلق مجتمع يحوّل الجهود الفردية إلى أعمال جماعية منظمة تعمل لصالح الجماعة.

وعلى سبيل المثال، بحثت إحدى الدراسات ضمن 105 شركات صغيرة ومتوسطة الحجم لقطاعي البرمجيات وتجهيزات الحاسب في الولايات المتحدة. وأظهرت نتائج الدراسة أنّ بوجود رئيس تنفيذي متواضع على قمة الهرم لكل شركة، يكون فريق الإدارة العليا أكثر ميلاً للتعاون وتبادل المعلومات، والاستفادة القصوى من المواهب ضمن الشركة.

وكشفت دراسة أخرى أن تواضع القائد ضمن الشركة يمكن أن يكون معدياً، فعندما يتصرف القادة بتواضع، يقوم الأتباع بمحاكاة موقفهم وسلوكهم. كما وجدت دراسة شملت 161 فريقاً أن الموظفين الذين يتبعون قادة متواضعين يكونون أكثر ميلاً للاعتراف بأخطائهم ومحدودية إمكانياتهم، وأكثر توجهاً لمشاركة الأضواء وذلك بتحويل الثناء إلى الآخرين، ويكونون أكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة والمشورة والملاحظات.

لكن، بدلاً من اتباع هؤلاء الأبطال المجهولين، يبدو أننا مُبَرمجون للبحث عن أبطالٍ خارقين، أبطال نسبّح بأمجادهم، أشخاص ينضحون بشخصيات كاريزمية ساحرة.

“خاريسما” باليونانية أي “هدية  الآلهة”، والكاريزما هي صفة سحر غير عادي، وجاذبية غير عادية، وحضور يجعل الشخص قادراً على إلهام الآخرين حماساً وتفانياً. وعرّف عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر الكاريزما بأنها “من أصل إلهي أو مثالي، ويتم معاملة الشخص كقائد بناء على هذا الأساس”. ودلت الأبحاث حول القيادة الكاريزمية أن الأشخاص أصحاب الكاريزما الساحرة هم أكثر عرضة لينظر لهم المجتمع كقادة، لما يتمتعون به من طاقة عالية، وسلوك غير تقليدي، وأفعال بطولية.

ومع أن الكاريزما يمكن أن توصلنا إلى تغيرات إيجابية واسعة النطاق، لكنها تحتوي على “جانب مظلم”، حيث يقول كلاً من جاي كونجر ورابيندرا كانونغو (Rabindra Kanungo) القيادة الكاريزمية في كتابهما “القيادة الكاريزمية في المؤسسات” (Charismatic leadership in institutions):  “يمكن للقادة الكاريزميين أن يكونوا عرضة لنرجسية مفرطة تدفعهم باتجاه أهداف تخص ذواتهم بشكل مبالغ فيه”.

وأوضحت إحدى الدراسات أنه عندما تتداخل الكاريزما مع النرجسية، يميل القادة إلى إساءة استخدام سلطتهم واستغلال أتباعهم، كما أشارت دراسة أخرى إلى ميل القادة النرجسيين لتقديم رؤية جريئة حول المستقبل، ما يجعلهم أكثر كاريزمية في أنظار الآخرين. إذن لماذا من المرجح أن يرتفع هؤلاء القادة النرجسيين إلى القمة؟

تقول إحدى الدارسات، على الرغم من أن الأفراد النرجسيين متعجرفون أو هكذا يٌنظر لهم، لكنهم يملكون صورة قائد فعال من الناحية النموذجية. كما يعرف القادة النرجسيون كيف يجذبون الانتباه حولهم باستمرار، إنهم يستمتعون بالأضواء، ولكن بعد مرور بعض الوقت يرى الناس أن هذه الإشارات للكفاءة لن تتحول إلى حقيقة فيما بعد، ونرجسية القائد ستتسبب بتقليل تبادل المعلومات بين أعضاء الفريق، وغالباً ما تؤثر سلباً على أداء المجموعة ككل.

نحن هنا لا نقول أن الناس الكاريزميين والنرجسيين لا يصلحون كقادة مطلقاً. يمكنهم أن يكونوا قادة جيدين في بعض الأحوال، وعلى سبيل المثال وجدت إحدى الدراسات أن المديرين التنفيذيين النرجسيين يفضلون التصرفات الجريئة التي تلفت الانتباه، ما يؤدي إلى انتصارات كبيرة أو خسائر كبيرة، وبالتالي يمكن لهم أن يحملوا في طيات أدائهم مخاطر عالية، وفرص نجاح كبيرة.

كما أننا لا نقول أنه لا يمكن للقادة المتواضعين أن يكونوا كاريزميين، حيث يؤكد الباحثون أن القادة الكارزميين يمكن تصنيفهم ضمن مجموعتين الأولى سلبية والثانية إيجابية، ويتم تحديد ذلك من خلال ميلهم لتحقيق أهدافهم الذاتية أو أهداف جماعاتهم. وأُطلق على هذين الجانبين من القيادة الكاريزمية تسمية الكاريزما الشخصية والكاريزما الاجتماعية. ونجد هالة البطل تحيط بالقائد الكاريزمي الاجتماعي لأنه شخص يتميز بابتعاده عن الاستبدادية ورغبته الأصيلة في تحقيق المنفعة الجماعية. وعلى النقيض من ذلك تقترن بطولات القائد الكاريزمي الشخصي باستبدادية عالية ونرجسية مفرطة، وفي هذه الحالة يعاني الأتباع من الحيرة والضياع، ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى إنشاء علاقات شخصية مع القائد الكاريزمي، في حين تقوم الكاريزما الاجتماعية في الطرف الآخر على أتباع يمتلكون مجموعة واضحة من القيم، والذين يرون في القائد الكاريزمي وسيلة لتحقيق العمل الجماعي.

وتكمن المشكلة حقيقة بأننا نختار القادة السلبيين في أغلب الأحيان، وبدرجة أعلى من الحالات التي كان يمكن لاختيارهم أن يؤدي الغرض المطلوب منه. وعلى الرغم من تقديسهم لذواتهم، وتعاطفهم المنخفض مع الآخرين، وتوجههم نحو السيطرة على الآخرين، وشعورهم القوي بأنهم يستحقون ما يحصلون عليه، تبقى جاذبيتهم لا تُقاوم، حيث ينبهر متابعو الأبطال الخارقين بالطريقة التي يظهر بها هؤلاء القادة وما يتمتعون به من جاذبية هائلة، ولا سيما طريقة تحويلهم لبيئاتهم إلى ألعاب تنافسية يصبح فيها أتباعهم أكثر تركيزاً على الذات، ما يؤدي إلى النرجسية التنظيمية، كما أظهرت إحدى الدراسات.

لكن إذا كان القادة المتواضعون أكثر فعالية من القادة النرجسيين، فلماذا نختار في كثير من الأحيان الأفراد النرجسيين كقادة لنا؟

تقترح فرضية “رومانسية القيادة” أن الناس لديهم بالعموم ميلاً متحيزاً لفهم الأحداث الاجتماعية كالقيادة مثلاً، حيث يميل الأشخاص إلى إضفاء الطابع الرومانسي على شخصية القائد.

وتبين الأبحاث أنه يمكن لحالة الأشخاص النفسية أن تسبب التحيز لتصوراتنا حول القادة الكاريزميين، إذ عند ارتفاع مستويات القلق لدى الأشخاص يصبحون أكثر ميلاً للقادة الكاريزميين، ونتيجة لذلك تزيد الأزمات من البحث عن قادة كاريزميين من جهة، وعلى ميل الناس تجاه إدراك الكاريزما لدى القادة الذين نتبعهم حالياً من جهة أخرى.

وهكذا تصبح الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مكاناً فريداً لاختبار القادة الكاريزميين، حيث تخلق ظروفاً مثالية من الشدة والغموض لصعود الشخصيات الكاريزمية، ومع ذلك فإنها في نفس الوقت تجعلنا أكثر عرضة لاختيار القائد الخطأ، كما أن الأزمات والأحداث ذات الأبعاد العاطفية تزيد من نزعتنا للنظر إلى جاذبية القادة النرجسيين بحب مبالغ به. وتكمن المفارقة هنا أننا نختار طواعية دعم القادة الأقل حظاً في تحقيق النجاح، أما في أوقات الأزمات يسهل إغواء الناس بالأبطال الخارقين الذين أتوا لينقذوا العالم، ولكنهم على الغالب يدفعون به إلى الهاوية.

هذه الحالة تبدو مدعاة لليأس، ولكن يمكننا النظر إليها من زاوية أخرى، إذ نحن لدينا القادة الذين نستحقهم بالدرجة الأولى، وطالما نستطيع اختيار أو بناء قادتنا بشكل جماعي بما يحقق رغباتنا واحتياجاتنا، فيمكننا دوماً تفضيل المتواضعين أو الكاريزميين الاجتماعيين على النرجسيين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz