تابعنا على لينكد إن

نحن نحب رؤية الأشياء في تسلسل. فنرتب الحرارة (بارد، وساخن، وفاتر في المنتصف) والغنى (فقير، وغني، ومرتاح الحال في المنتصف)، لأن التسلسلية في شكلها الخطي تساعدنا على فهم واستيعاب تعقيدات العلم والمجتمع وتعدنا بالتطور والنمو تماماً كما تفعل القوانين العلمية (علم الحركة مثلاً).

قد يدفعنا انجذابنا للتسلسلية إلى التفكير في القيادة على أنها تسير في تسلسل معين، في أحد طرفيها القيادة السيئة وفي الطرف الآخر القيادة العظيمة وفي الوسط تقبع القيادة الجيدة. وهذا ما يجعلنا نرى في القيادة نمطاً يمكن التنبؤ به، ونرى أن من الممكن التطور صعوداً في خطها التسلسلي بالاجتهاد واكتساب الخبرة.

أنا لا أجادل هنا أن باستطاعة كل إنسان أن يتطور كقائد، فهذا ليس محل خلاف. ما اختلف معه هو الجزم القاطع بأن الجيد والعظيم نقطتان تقعان على نفس المسار. هذا اعتقاد خاطئ. للقيادة العظيمة والقيادة الجيدة خصائص ومسارات متمايزة تماماً. القيادة ليست أحادية الأبعاد، وبإمكانها أن تكون جيدة أو عظيمة أو الاثنين معا أو أحدهما فقط.

عادة ما يبدأ الحديث عن “العظيم” بأوصاف تتناول القوة أو الشدة العارمة إما بسبب “تأثيرٍ عظيم” أو “جهدٍ عظيم”. فتكون العظمة في هذا السياق قوةً. صحيح أن العظمة تعني أيضاً “التميز” لكنه ليس معناها الأساسي. أما بالنسبة إلى “الجيد”، فنحن عادة ما نقرنها بالأخلاق والقيم والفضيلة، فنقول “شخص جيد” أو “قرار جيد”. قد تشير “جيد” إلى جودة شيء ما -بالنظر له بالمفهوم الأكثر شيوعاً: سيء- لكن السياق الذي يهمنا هنا هو النظر لها كتوجه يفرض السلوك.

القيادة العظيمة قوية ومستبدة، بل وطاغية في أغلب الأحيان. يمكنها اكتساح الناس بمجرد إيماءة. القيادة العظيمة تثير وتُنشِّط وتُحفّز. إنها دعوة تحريضية تُقوّض دعائم الرضا والخمول وأحد أقوى المحفزات في تاريخ البشرية، لهذا يُنسب إليها الفضل في أغلب ما حققته البشرية من التطور ومن الشقاء. وفي حين توقد القيادة العظيمة شعلة العمل الجماعي وتُلهب الحماس، فإن التوجه الذي تسلكه يعتمد بشكل كبير على من يمتلكون تلك القوة. وبما أن ليس لدى القائد العظيم بوصلة أخلاقية موروثة، فمن الممكن لقوته الصعبة التنبؤ أن توظَّف بنفس السهولة لأغراض سلمية أو تصادمية.

أما الحديث عن القيادة الجيدة فحديث عن حماية المبادئ السائدة والنهوض بها لتكون وسائل لتحقيق غايات معينة. وهذا يتطلب القيام بما هو “صحيح”. قد يكون هناك اختلافات مشروعة في تأويل ما هو صحيح وما هو خاطئ، لكن هناك بالمقابل أخلاقيات ومبادئ وعادات مشتركة بين مختلف الثقافات والأزمان مكنّت الأفراد والجماعات على الدوام من النجاة والاستمرار. الجيد يسعى لتحقيق منفعة ورفاه الآخرين.

ليس للقيادة الجيدة جاذبية القيادة العظيمة. فأنت لن تلحظ شيئاً مميزاً عندما يكون القائد الجيد هو الممسك بزمام الأمور لأن الأمور شفافة أصلاً. القيادة الجيدة أشبه بخلفية متعددة الألوان، أما القيادة العظيمة فأكثر درامية يتخذ القائد فيها أفعاله اعتماداً على قيمه. هذا ما يفسر السبب في أن قوة القيادة العظيمة عادة ما تطغى على توجّه القيادة الجيدة.

هذا التجاذب بين العظيم والجيد أزلي وديناميكي. هناك من ناحية العظيم-قوة تفسيرها غير ممكن، وغير منطقية بين الحين والآخر، والأهم من هذا كله أنها جامحة. وهناك من ناحية أخرى الجيد-توجه تحدده بوصلة معروفة، يقدم قيماً ذات منافع مشتركة. الأول يُحرك، أما الأخير فيوجه. يُفسر الرسم أدناه يفسر هذه العلاقة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "هذا هو الفرق بين القادة الجيدين والقادة العظماء"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Dr.Greeb
عضو
Dr.Greeb
9 شهور 23 أيام منذ

اتفق …. هناك مسافة بينهما

wpDiscuz