تابعنا على لينكد إن

لعلّك تعتقد أنّك مستمع جيد، والحقيقة هي أنّ الناس يمتدحون مهارتهم في الاستماع كما يمتدحون مهارتهم في قيادة السيارة، إذ يعتقد معظمهم أنّ قيادته فوق المعدل، ولاسيما الشباب.

ومن خلال تجربتنا الطويلة، فإننا نرى أنّ الناس يُرجعون القدرة الجيدة على الاستماع إلى ثلاثة أمور:

  • عدم مقاطعة الآخرين أثناء كلامهم.
  • إشعار الآخرين بأنك تستمع إليهم، وذلك باستخدام تعابير الوجه أو الصوت.
  • القدرة على تكرار ما قاله الآخرون، كلمة كلمة.

وفي الواقع، فإن النصائح في عالم الإدارة بخصوص الإنصات للآخرين تقترح بالفعل مراعاة هذه التوجيهات، كتشجيع المستمعين على التزام الهدوء، والإيماء بالرأس، وإصدار أصوات تدل على التنبه، وإعادة صياغة ما أدلى به المتكلم كأن تقول: “لأتأكد أنني فهمت كلامك فأنت تقول ……”. إلا أنّ الأبحاث التي أجريناها مؤخراً ترى أنّ هذه الأساليب لا تعني بالضرورة أنك مستمع جيد.

لقد أجرينا تحليلاً على بيانات تصف سلوك 3,492 مشاركاً في برنامج تطويري مصمم لمساعدة المدراء على أن يصبحوا مدربين جيدين. وقد اشتمل البرنامج على أن يتم تقييم مهاراتهم في التدريب من قبل أشخاص آخرين، وذلك في عمليات تقديم الرأي بشكل متكامل. وقمنا بتحديد أولئك الذين اعتُبروا أفضل المستمعين (أفضل 5 في المئة). ثم عقدنا مقارنة بين أفضل المستمعين والمعدل الذي حصله جميع المشاركين في مجموعة البيانات، وقمنا بتحديد 20 نقطة يظهر فيها أكبر اختلاف ذي دلالة هامة. وبالنظر إلى هذه النتائج قمنا بتحديد الفروقات بين المستمع المتميز والمستمع العادي وحللنا البيانات لتحديد السمات التي رأى الزملاء أنها تصرفات تجعلهم مستمعين متميزين.

وتوصلنا إلى نتائج مفاجئة بالإضافة إلى بعض السمات التي نتوقع أن نسمعها، وقد صنفنا هذه النتائج في أربع مجموعات أساسية:

الاستماع الجيد لا يعني أن تبقى صامتاً أثناء حديث الطرف الآخر. على العكس، فالناس يرون أنّ أفضل المستمعين هم أولئك الذين يطرحون الأسئلة أثناء الكلام لاكتشاف ومعرفة المزيد. هذه الأسئلة تخلخل الافتراضات القديمة نوعاً ما، ولكن بطريقة بنّاءة. إنّ الجلوس أمام المتحدث والاكتفاء بهزّ الرأس بصمت لا يقدم دليلاً كافياً على أنّ هذا الشخص ينصت إلى الكلام، ولكن طرح السؤال الجيد يدل على أنّ هذا الشخص لم يكتف بسماع ما قيل، بل أنّه فهم الكلام جيداً إلى درجة أنّه يرغب في مزيد من المعلومات. إنّ الاستماع الجيد أشبه بحوار متبادل بين طرفين، وليس تفاعلاً أحادي الجانب بين المتكلم والمستمع، وأفضل الحوارات هي تلك التي تكون مليئة بالتفاعل.

الاستماع الجيد يتضمن إبداء التفاعل الذي يعزز احترام الذات. المستمع الجيد هو الذي يمنح الطرف الآخر تجربة إيجابية، وهذا أمر لا يحدث حين يكون المستمع سلبياً (أو ميالاً إلى النقد بطبيعة الحال). فالمستمع الجيد يجعل المتحدث يشعر بالثقة والدعم، إذ يعني الإنصات الجيد للآخرين توفير بيئة آمنة تتيح لهم مناقشة القضايا الخلافية بأريحية كاملة.

الاستماع الجيد يُعتبر حواراً تعاونياً. ففي هذه التفاعلات كانت ردة الفعل تسير بشكل سلس للغاية في كلا الاتجاهين، إذ لم يشعر أي الطرفين بالتهديد أمام التعليقات التي يطرحها الطرف الآخر. وعلى العكس من ذلك، كان المستمع الضعيف هو الذي يحاول منافسة محدّثه، أي أنّه لا يستمع إلا للوقوف على أخطاء زميله في أفكاره أو في منطق كلامه، مستخدماً صمته كآليّة لتحضير نفسه للجواب القادم. هذا التصرف يجعلك تتميز في مناظرة مثلاً، ولكنها لا تجعل منك مستمعاً جيداً. بوسع المستمع الجيد أن يرفض الأحكام التي يفترضها المتكلم وأن يختلف معه، ولكنه يجعل محدّثه في الوقت ذاته يشعر أنه في تعليقاته يحاول المساعدة ولا يسعى لأن يتفوق في الجدال.

المستمع الجيد يحاول أن يقدّم مقترحات. إنّ مهارة الاستماع الجيد تشتمل بالتأكيد على تقديم بعض ردة الفعل بطريقة يسهل على الآخر تقبلها وتفتح له أبواباً جديدة للتفكير. وكانت هذه النتيجة مفاجئة لنا نوعاً ما، وذلك لأننا نسمع بعض الأشخاص في أحيان غير قليلة يشتكون بأنّ “فلاناً لم ينصت إلى حديثي وكان يقاطعني ويحاول أن يحلّ المشكلة”. ولعل ما تشير إليه البيانات هو أنّ تقديم الاقتراحات للطرف الآخر ليس مشكلة في ذاتها، ولكن في مهارة الإدلاء بهذه الاقتراحات. والاحتمال الآخر يتمثّل في أننا نميل إلى تقبّل المقترحات من الأشخاص الذين نعتقد أنّهم مستمعون جيدون. (فالمستمع الذي يكتفي بالصمت أثناء الحوار ثم يتدخل فجأة في الحديث لتقديم المقترحات يكون تصرفه غير متقبل، أو أنّه يبدو هجومياً أو ناقداً ثم يحاول أن يتدخل لتقديم النصيحة، فعادة لن يكون هذا الشخص جديراً بثقة محدثه.)

ربما كان يعتقد العديد منا أنّ مهارة الاستماع الجيد تعني أن يكون الشخص مثل الإسفنج فيمتص ويحتوي كل ما يقوله الطرف الآخر، ولكن النتائج التي توصلنا إليها تظهر أنّ المستمع الجيد أشبه بالمنطة البهلوانية (ترامبولين)، بحيث تجد أنّ أفكارك ترتد منه إليك وأنّه لا يكتفي بامتصاص أفكارك وطاقتك، بل يوسّع من أفكارك هذه ويعزز طاقتك ويصفّي تفكيرك. إذ يمدك المستمع الجيد بشعور جيد، وليس ذلك بأداء دور الإسفنجة أمامك، ولكن بأن يبدي تفاعلاً داعماً لك. وهذا ما يمنحك الطاقة والثقة، تماماً كأنك تمارس هواية القفز على المنطة الثابتة.

ثمة بطبيعة الحال مستويات مختلفة للاستماع، ولا يتطلّب كل حوار أعلى مستويات الإنصات، ولكن جميع الحوارات تتطلب التركيز ومستوى معيناً من القدرة على الإصغاء. حاول التعرف على مستوى مهارة الاستماع الذي تريد الوصول إليه:

المستوى الأول: يوفر المستمع بيئة آمنة تتيح للمتحدث التطرق إلى قضايا معقدة أو عاطفية خاصة.

المستوى الثاني: يتخلص المستمع من كافة عناصر التشتيت من حوله كالهاتف وأجهزة الحاسوب المحمول، ويركّز انتباهه للطرف الآخر مع الحفاظ على مستوى مناسب من التواصل البصري. (وهذا السلوك لا يؤثر فقط على الطريقة التي ينظر بها إلينا الطرف الآخر، بل إنّها تؤثر مباشرة على توجهات المستمع الخاصة ومشاعره الداخلية. إنّ أداء الدور المنوط بك كمستمع جيد يغير شعورك الداخلي، وهذا ما يجعلك مستمعاً جيداً).

المستوى الثالث: يسعى المستمع إلى فهم ما يتحدث به الطرف الآخر، فيلتقط الأفكار ويطرح الأسئلة ويعيد صياغة الكلام ليتأكد أنّه فهمه بشكل صحيح.

المستوى الرابع: يلاحظ المستمع الإشارات غير اللفظية لدى المتحدث، كتعبيرات الوجه ودرجة تعرّقه وسرعة تنفسه وإيماءاته وجلسته وغيرها من إشارات لغة الجسد. ويقدّر بعض المختصين أنّ 80 في المئة مما يفهمه الآخرون ينتقل عبر هذه الإشارات. قد يبدو هذا غريباً للبعض، ولكن الحقيقة هي أننا نستمع بأعيننا بقدر ما نستمع بآذاننا.

المستوى الخامس: يزداد تفهّم المستمع لمشاعر وانفعالات محدثه بخصوص موضوع الحوار، ويحددها ويحترمها ويتفهمها بطريقة تمنح الثقة والدعم وتبتعد عن إطلاق الأحكام.

المستوى السادس: يطرح المستمع الأسئلة التي تستفهم عن بعض الافتراضات التي يحملها الطرف الآخر ليساعده على رؤية القضية من زاوية مختلفة. قد يتطلب هذا أن يقوم المستمع بتمرير بعض الأفكار حول موضوع النقاش يرى أنّها تفيد محدّثه، لابدّ من التذكير في الوقت ذاته بأنّ المستمع الجيد لا يمكن أن يختطف الحوار ويحول دفّته إليه بحيث تصبح أفكاره هي موضوع الحوار.

لاحظ أنّ كل مستوى من هذه المستويات يعتمد على الآخر. فإن انتقدك أحدهم مثلاً لأنّك تقدم لهم الحلول بدل أن تصغي إلى ما لديهم، فقد يعني ذلك أنّ عليك أن تتنبه إلى مستوى آخر من مهارة الاستماع (كأن تتخلص من عناصر التشتيت أو أن تظهر التعاطف والتفهم)، كي تضمن قابلية الطرف الآخر لاحترام مقترحاتك ومدخلاتك.

نحن نفترض أنّ معظمنا يمتلك بعض الإشكالات في مهارة الاستماع، ولكنّا نطمح من خلال هذا البحث أن نساعد على تقديم أفكار جديدة عن هذه المهارة، ونرجو أن يرى أولئك الواهمون الذين يتبجحون بأنهم مستمعون جيدون مستوى المهارة الحقيقية التي لديهم. كما نرجو أن تتغير تلك الفكرة الشائعة التي ترى أنّ الاستماع الجيد يعني أن يتصرف المستمع كإسفنجة امتصاص لجميع ما يطرحه المتحدث. وفي النهاية نرجو أن يدرك الجميع أنّ أعلى وأفضل مستويات الاستماع تحدث حين ينظر المتحدث إلى المستمع كما ينظر الطفل إلى لعبة المنطة، فهي تمنح الطاقة والسرعة والثقة والصورة الواضحة، وهذه هي نفس العناصر التي يوفّرها الإصغاء الجيد للمتحدث.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "تعرّف على السمات الحقيقية للمستمع الجيد"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
التوم.البطري
Member
التوم.البطري
3 شهور 25 أيام منذ

رائع

wpDiscuz