إنّ المملكة العربية السعوديّة الآن في خضمّ تحول اقتصادي كبير، ولعل نطاق هذا التغيير وحدّته تتيح لنا أن نصفه بأنّه تحوّل اقتصادي “غير مسبوق” في التاريخ الحديث للمملكة.

تأتي هذه الإصلاحات كجزء من إستراتيجية اقتصادية طويلة المدى أطلق عليها اسم “رؤية السعودية 2030″، وخطة للتحوّل الوطني تهدف إلى إنهاء حالة اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط مما يساعد المملكة على الحفاظ على قدرتها على التنافس في الاقتصاد العالمي حتى لو انخفضت أسعار النفط. وتشتمل خطط المملكة الطموحة على زيادة عائداتها من الأنشطة غير النفطية بثلاثة أضعاف بحلول 2030 وخلق ما يزيد عن 450 ألف فرصة عمل، بالإضافة إلى زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل ولاسيما في القطاع الخاص. وتأمل السعوديّة أن يقوم القطاع العام الذي يعمل فيه أكثر من ثلثي القوّة العاملة المحليّة بالحدّ من فاتورة الأجور والتي تستنفذ أكثر من 45% من موازنة الحكومة.

مصاعب محتملة

هنالك جانب أساسي ومغفل في هذا التحدّي يتعلّق بحالة القوة العاملة في المملكة وبعض الحقائق الأخرى المتعلقة بسوق العمل المحليّ. حيث سيكون الإصلاح في هذه الجوانب عاملاً أساسياً في تحديد قدرة المملكة على تحقيق أهدافها الاقتصادية على المدى البعيد.

ولا شكّ أنّ الأمر يبدأ من التعليم. صحيح أنّ المملكة قد استثمرت بشكل متواصل في قطاع التعليم، ولكنّ المال لا يضمن الجودة بالضرورة. إنّ تنمية التفكير النقدي والقدرة على الابتكار بالإضافة إلى رفع توقّعات المجتمع مما هو مطلوب من الأفراد كي يجتهدوا من أجل تحصيل العلامات الجيّدة والعمل بجدّ لكسب المال، هو أمر ما يزال مفقوداً إلى حدّ كبير في المدارس والجامعات السعوديّة. أضف إلى ذلك أنّ نظام التعليم في المملكة يعتمد بشكل كبير جداً على معلمين من دول عربيّة أخرى كسوريا ومصر ولبنان، ومعروفٌ أنّ التدريب الذي يتلقاه هؤلاء المعلمون يقتصر عموماً على المفاهيم التعليمية التي شاعت في بلدانهم خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

وهناك متغيّر آخر يتعلق بتوظيف وإدارة الموارد البشرية في القطاع الخاص. ويعدّ هذا المتغيّر جديداً وغير معروف إلى حدّ كبير في أسواق العمل في السعودية والتي تعتمد في ترقية الموظّف إلى رتبة أعلى على عمره وفترة خدمته في الوظيفة وبعض أشكال التأثير الأخرى، خاصة في القطاع العام الذي يشغل معظم الوظائف فيه المواطنون السعوديون.
وحين يشغل شخصٌ ما منصباً إدارياً فإنّه عادة ما يصبح فوق النقد أو حتى النصيحة، ويسبّب هذا الأمر معضلةً حقيقية خاصة في المؤسسات التي أصبح فيها الموظفون الشباب أكثر كفاءة من مدرائهم في بعض الأحيان. إنّ القيادة بمعناها الحقيقي ما تزال رهينة الفرصة، أي أن تتيح الصدفة مجيء شخص مناسب ليشغل المنصب في الوقت المناسب، ولاسيّما إن كان مدعوماً بشبكة من العلاقات الاجتماعية لضمان مقترحات معقولة لاتخاذ القرار بشأنها. وكثيراً ما يقتصر مؤشر الجهد المبذول في العمل وتحديد قيمة الموظف للمؤسسة، على الدوام وقضاء عدد الساعات المحدد في المؤسسة، بدل الاعتماد على مقياس المخرجات أو المؤهلات أو المهارات.

كانت نتيجة هذه التحدّيات وجود كوادر عاملة ذات كفاءات ودوافع متفاوتة إلى حد كبير في بيئة عمل ترى أنّ الترقية في الوظيفة ترتبط بعدد سنوات الخدمة في الوظيفة أو بالشهادات الأجنبية التي حصل عليها الموظف، وهذا أمر محبط للشباب السعودي، ويتسبب في استمرار هجرة الكفاءات بين العديد من الشباب أصحاب الكفاءة والموهبة لأنّهم يفضلون السفر والبحث عن العمل في مكان آخر.

أمّا عن تعيين موظفين أجانب من أصحاب الكفاءة والتعليم لتلبية العجز الحاصل في نقص الكفاءات المحلية، فقد وضعت المملكة برنامج “نطاقات” الهادف لسعودة الوظائف، بصرف النظر في كثير من الأحيان عن الكفاءة أو المهارة، وهذا يزيد من صعوبة الاعتماد على موظفين من الخارج. وحتى في حالة الاستعانة بموظفين أجانب، فإنّ الظروف والتقاليد الاجتماعية في المملكة تمثّل عقبة أخرى أمام جذب الكفاءات الأجنبية التي تعتمد عليها خطط تنويع الأنشطة الاقتصادية في البلاد.

ومما يرتبط بذلك أيضاً قضية المرأة وحقوقها في المملكة، فصحيح أنّ العديد من النساء السعوديات يتمتعن بالمهارات والكفاءات العالية ويمتلكن حماساً كبيراً للعمل – يفوق العديد من الرجال برأي البعض – إلا أنّ قدرتهن على الحصول على الوظيفة ما تزال محكومة بتقليد صارم من الفصل بين الجنسين، وهذا الفصل يتسبب بتكاليف مرتفعة للمؤسسات، حيث يجري العمل دوماً على توفير مؤسسات تعليمية وتدريبية منفصلة لكلا الجنسين وما يتطلب ذلك من تجهيز مكاتب منفصلة وقاعات انتظار منفصلة وغير ذلك. كما يستمرّ الجدل في السعودية حول مشروعية قيادة المرأة للسيارة. هذه الظروف تفرض قيوداً على المرأة السعودية من ناحية الوظائف التي بوسعها الحصول عليها، والأخطر من ذلك هو أنّها تأخذ الانتباه بعيداً عن مواضيع تتعلق بقوانين العمل وسبل خلق مساحات عمل تتسم بالنشاط والفاعلية ووضع السياسات التي تمكّن من الاستفادة من طاقات الشباب في المملكة.

ما فرصة نجاح هذه التحولات؟

إن الظروف الديموغرافية في المملكة بالإضافة إلى أسعار النفط المتهاوية وما تشكّله من واقع صعب على الاقتصاد تدفع العديد من المراقبين إلى القول بأنّ الخيار الواقعي الوحيد المتاح أمام المملكة هو اتباع نمط مختلف من الأعمال. فأكثر من خمسين بالمئة من السكّان في السعوديّة تحت سن الخامسة والعشرين، وهو جيل نشأ في فترة من الوفرة الاقتصاديّة في البلاد في مطلع الألفية الثالثة، حيث ساهمت أسعار النفط المرتفعة حينها في زيادة عائدات المملكة سنة تلو الأخرى. هذا الجيل من الشباب له توقّعات عالية، فهو جيل من الشباب الذين نشؤوا ضمن ثقافة مادية استهلاكية معتمدين على الحصول على مزايا النفط التي حصلت عليها أجيال سبقتهم من السعوديين. ولتحقيق هذه التوقعات والمطامح، فإنهم يحتاجون إلى وظائف، ويفضّل بطبيعة الحال أن تكون وظائف برواتب مجزية وغير حرفيّة، لأنّ الوظائف الحرفيّة في المملكة أدنى مرتبة من الوظائف المكتبية. ولا عجب أن نرى أن قطاعات العمل التي تتطلب قدراً من الجهد البدني في المملكة كالإنشاءات والتصنيع والخدمات يشغلها بشكل شبه حصري العمال الوافدون.

بالرغم من أن الفترة الحاليّة التي تشهد ضغطاً على الموازنة الحكومية بعد سنتين من انخفاض أسعار النفط هي التي دفعت نحو اتخاذ خطوات عاجلة في طريق هذا التغيير، إلا أنّ هذا أيضاً قد يشكّل عائقاً أمام التغيير المنشود. فالقطاع العام يواجه تحديات كبيرة من ناحية نقص الكفاءات كما هي الحال في القطاع الخاص بالإضافة إلى العديد من التحدّيات الأخرى. ولكي تواجه المملكة هذا العجز في الموارد البشرية فإنّ الحكومة بحاجة كبيرة جداً لزيادة قدرتها على التخطيط للإدارة على المستوى المتوسّط بالإضافة إلى متابعة الإصلاحات بشكل دقيق وصارم. أما تخفيض موازنة القطاع العام فلن يسهم إلا في زيادة هجرة الكفاءات في هذا القطاع في هذه الفترة الحساسة. قد يكون تخفيض الأجور والمنافع إلى حدٍ ما أمراً معقولاً، ولكنّ هذه الإجراءات قد تكون طاردة للكثير من أصحاب الكفاءات الباحثين عن عمل.
وفي حال لم تتخذ المملكة خطوات جدّية لفرض معايير للهيكلة الوظيفية القائمة على الجدارة والأهلية داخل القطاع العام والخاص فإن الإصلاحات الاقتصادية التي تعتزم المملكة إجرائها قد تواجه الفشل نظراً لضعف التطبيق. إن نجاح “نظرة السعودية 2030” يعتمد بالدرجة الأولى على إجراء إصلاحات في قوانين العمل التي تعدّ مسؤولة عن خلق سوق عملٍ يعاني من قدر كبير من المشاكل الجذريّة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!