تابعنا على لينكد إن

كان الناس في الماضي يعتقدون بأنّك لست مضطراً لأن تكون سعيداً في عملك لكي تنجح. وبأنّك لست مضطراً إلى أن تحبّ الناس الذين تعمل معهم، أو حتى أن تتشارك معهم في القيم. فقد كان الاعتقاد السائد هو “أن العمل ليس شأناً شخصياً”. لكنّ هذا الكلام خاطئ تماماً ولا معنى له.

فالأبحاث التي أجريها أنا شخصياً وتشمل عشرات الشركات ومئات الناس، إضافة إلى الأبحاث التي يجريها أشخاص من قبيل عالمي الأعصاب ريتشارد ديفيدسون وفي. إس. راماتشاندران وباحثون مثل شون آكور، تشير، وبشكل متزايد، إلى الحقيقة البسيطة التالية: الأشخاص السعداء أفضل في عملهم من غيرهم. كما أنّ الأشخاص الذين يتفاعلون إيجابياً مع وظائفهم وزملائهم يعملون بجدّ أكبر وهم أذكى.

ومع ذلك فإنّ هناك عدداً كبيراً ومرعباً من الأشخاص غير المتفاعلين إيجابياً مع عملهم. فوفقاً لتقرير مثير جدّاً لشركة غالوب عام 2013، فإنّ 30% فقط من القوى العاملة في أمريكا متفاعلة بشكل إيجابي مع عملها. وهذا يؤكّد ما رأيته أنا في عملي. فليس هناك إلا قلّة من الأشخاص “الملتزمين عاطفياً وفكرياً” بمؤسساتهم. وهناك عدد لا يُستهان به من الأشخاص الذين لا يعيرون أدنى اهتمام لما يحصل حولهم في مكان العمل. وبالنسبة لهم، يوم الأربعاء ليس سوى منتصف الأسبوع الذي يقرّبهم أكثر من يوم الجمعة آخر يوم عمل في الأسبوع. وهناك الفئة الأخرى من الطيف والتي يبلغ عددها واحداً من كل خمسة موظفين وتُعتبرُ منفصلة تماماً عمّا يحصل، ولا يهمها إطلاقاً ما يجري في الشركة بل تسعى إلى تخريب الأجواء، وفقاً لذات التقرير من شركة غالوب. وهؤلاء الناس هم من يفشلون المشاريع، ويطعنون زملاءهم في ظهرهم، وهم عادة من ينشر الفوضى في مؤسساتهم.

كما ذكر تقرير غالوب بأنّ تفاعل الموظفين مع مكان عملهم ظل ثابتاً على مدار السنين على الرغم من حالات الصعود والهبوط التي شهدها الاقتصاد. والنتيجة مرعبة: نحن غير متفاعلين مع عملنا إيجابياً، ولم نكن متفاعلين معه منذ فترة طويلة.

لا يُعتبر العمل مع الأشخاص غير المتفاعلين مع عملهم وغير السعداء أمراً ممتعاً أبداً، وهو لا يضيف أي قيمة. كما أنّه يؤثر على مؤسساتنا (وعلى اقتصادنا) بطريقة سلبية عميقة للغاية. والأمر يصبح أكثر سوءاً عندما يكون المدراء هم الأشخاص غير المتفاعلين مع عملهم. لأنهم إذا كانوا كذلك فإنهم ينقلون عدوى موقفهم هذا إلى الآخرين. فعواطفهم وذهنيتهم تؤثر على أمزجة الآخرين وأدائهم بشكل هائل. وفي نهاية المطاف شعورنا مرتبط بما نفكّر به وبطريقة تفكيرنا. أي بعبارة أخرى، التفكير يؤثّر على العواطف، والعواطف بدورها تؤثّر على التفكير.

حان الوقت إذن لكي نحارب أخيراً الخرافة القائلة بأنّ المشاعر غير مهمّة في مكان العمل. فالأبحاث العلمية تدعمنا في مقولتنا هذه: حيث أنّ هناك ارتباطات عصبية واضحة بين المشاعر والأفكار والتصرّفات. فعندما نكون في خضمّ عواطف سلبية قوية، فإنّ الأمر يشبه أن نسير وأعيننا معصوبة. فنحن نركّز جلّ اهتمامنا – وأحياناً كلّ اهتمامنا – على مصدر الألم. كما أننا لا نعالج المعلومات، ولا نفكّر بطريقة خلاقة، ولا نتّخذ قرارات جيدة. كما أنّ الإحباط، والغضب، والتوتّر تتسب في إيقاف جزء منّا عن العمل، وتحديداً الجزء المفكّر والمتفاعل لدينا. وبالتالي فإنّ حالة عدم التفاعل هي بمثابة استجابة عصبية ونفسية طبيعية للعواطف السلبية التي تجتاحنا.

لكن ليست العواطف السلبية فقط هي ما يجب علينا أن نراقبه بحذر. فالعواطف الإيجابية المفرطة تترك التأثير ذاته أيضاً. فبعض الدراسات تظهر بأنّ السعادة المفرطة يمكن أن تجعلك أقلّ إبداعاً وعرضة للانخراط في سلوكيات خطرة (لنتذكّر كيف أننا نتصرّف كالحمقى عندما نقع في الغرام!). فعلى صعيد العمل، رأيت مجموعات من الناس وهي في حالة حماسة شديدة في مؤتمرات للمبيعات وفي الحفلات التي تنظمها الشركات لرفع معنويات موظفيها. لكن ليس هناك الكثير من التعلم والابتكار الذي يحصل خلال هذا النوع من الاجتماعات. وإذا ما تعاطى الناس الكحول خلال هذه المناسبات، فإن مجموعة جديدة تماماً من المشاكل ستظهر.

فإذا كنّا قادرين على الاتفاق بأن حالاتنا العاطفية في مكان العمل مهمّة، فما الذي يجب علينا أن نفعله لزيادة التفاعل وتحسين الأداء؟

خلال السنوات القليلة الماضية، درسنا أنا وفريقي في معهد تيليوس للقيادة حالة عشرات المؤسسات، وأجرينا مقابلات مع آلاف الأشخاص. والنتائج المبكرة حول الارتباطات الموجودة بين مشاعر الناس وتفاعلهم مذهلة. فكلام هؤلاء الناس يشير إلى وجود تشابهات واضحة فيما يريدونه ويحتاجونه، بغض النظر عن أصلهم، أو هوية الجهة التي يعملون لديها، أو الوظيفة التي يؤدّونها. ونحن نفترض غالباً أنّ هناك فروقاً ضخمة بين مختلف القطاعات، وفي أنحاء العالم، لكنّ نتائج الأبحاث تناقض هذا الافتراض.

فلكي يكون الشخص متفاعلاً بالكامل وسعيداً، فإن كلّ الناس تقريباً يقولون لنا بأنّهم يريدون ثلاثة أشياء:

الرؤية المستقبلية ذات المغزى: فعندما تحدّث الناس مع فريقنا البحثي حول الأشياء الناجحة والأشياء غير الناجحة في مؤسساتهم، وأكثر شيء ساعدهم أو أعاقهم، فقد تطرّقوا إلى “الرؤية”. فالناس يريدون بأن يكونوا قادرين على رؤية المستقبل وعلى معرفة وضعهم فيه. وكما نعلم من عملنا مع ريتشارد بوياتزيس، فإنّ الناس يتعلّمون ويتغيّرون عندما تكون لديهم رؤية شخصية مرتبطة برؤية المؤسسة. والمؤسف في الأمر هو أنّ قلّة من القادة فحسب يرسمون صورة جذّابة للمستقبل، وهم لا يجيدون التواصل. ونتيجة لذلك فإنّهم يخسرون الناس.

الإحساس بوجود غاية وهدف: يريد الناس أن يشعروا بأنّ عملهم مهم، وبأنّ إسهاماتهم تساعد في تحقيق شيء مؤثر فعلياً. وباستثناء من يقبعون في قمّة الهرم في المؤسسة، فإنّ تحقيق القيمة لصالح المساهمين ليس هدفاً ذا مغزى يكفي لإثارتهم ودبّ الحماسة فيهم. فهم يريدون أن يعلموا بأنهم هم ومؤسساتهم يقومون بشيء “كبير” يُعتبرُ مهمّاً بالنسبة للناس الآخرين.

العلاقات العظيمة: نعلم بأنّ الناس ينضمّون إلى مؤسسة ويتركون مديراً وراءهم. فالعلاقة المتنافرة مع المدير هي شيء مؤلم تماماً. وكذلك هي العلاقات مع الزملاء الآخرين. فقد أخْبَرَنا القادةُ والمدراء والموظفون جميعهم بأنّ العلاقات الوثيقة القائمة على الثقة والدعم هي شيء هام جدّاً بالنسبة لحالتهم الذهنية، وبالنسبة لاستعدادهم لتقديم الإسهامات إلى هؤلاء الزملاء.

إذا جمعنا هذه العوامل معاً، فإنّ علوم الدماغ وأبحاثنا التي أجريناها على المؤسسات تفنّد الخرافة القديمة القائلة بأنّ العواطف لا أهمية لها في مكان العمل، بل تثبت فعلياً بأنّ العواطف مهمّة جدّاً في العمل. والسعادة أيضاً مهمّة. ولكي يتفاعل الناس بشكل كامل، فهم بحاجة إلى رؤية، ومعنى، وغاية، وعلاقات متناغمة.

تقع على عاتق الأفراد مسؤولية إيجاد الطرق التي تسمح لهم بأن يعيشوا قيمهم في العمل وبأن يبنوا علاقات عظيمة. وتقع على عاتق القادة مسؤولية خلق بيئة تسمح للناس بالازدهار والارتقاء. والأمر بسيط وعملي: إذا كنت تريد الحصول على قوى عاملة متفاعلة مع عملها إيجابياً، فإنّك يجب أن تولي الاهتمام لعملية وضع الرؤية، وأن تربط عمل الناس لديك بالغاية الكبرى للشركة، وأن تكافئ الناس الذين يتناغمون مع الآخرين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz