الأطباء في الولايات المتحدة مستاؤون، وهم في ذلك محقون، بسبب الوقت الذي ينفقونه على استخدام السجلات الصحية الإلكترونية. وينطبق ذلك على أطباء وأخصائي الرعاية الأولية، كما يسهم في إنهاك الأطباء. وتتجاوز التكلفة السنوية لقضاء الأطباء نصف وقتهم على استخدام السجلات الصحية الإلكترونية ما يصل إلى 365 مليار دولار (أي مليار دولار يومياً)، وهو رقم يفوق ما تنفقه الولايات المتحدة على علاج أي فئة أساسية من الأمراض، ويضارع ما تنفقه الدولة على التعليم الابتدائي والثانوي الحكومي. وهذه مشكلة يمكن حلها الآن بثلاث خطوات.

  1. توحيد المتطلبات المفروضة من الدافعين وتقليصها. كشفت دراسة حديثة للنظم الصحية الأميركية التي تستخدم نظام السجلات الصحية الإلكترونية الرئيسي ذاته أن طول سجل المريض العادي في السجلات الصحية الإلكترونية تجاوز ضِعف ما كان عليه عام 2009، حيث بلغ حوالي 700 كلمة. وحتى نضع المسألة في سياقها السليم، إذا تفقد طبيب 15 مريضاً جديداً، فسيتعين عليه إدخال قرابة 20 صفحة ذات أسطر أحادية المسافة في السجلات الصحية الإلكترونية. وكشفت الدراسة عن أنّ متوسط طول السجل في النظام الصحي العادي في كندا والمملكة المتحدة وأستراليا وهولندا والدنمارك أقل من ثلث نظيره في الولايات المتحدة.

وتشير هذه النتائج المذهلة إلى أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في متطلبات التوثيق التي يفرضها الدافعون على مزودي الخدمة. وما فاقم من المشكلة أنّ هذه المتطلبات تتفاوت من دافع إلى آخر في الولايات المتحدة. إنّ توحيد هذه المتطلبات ومراجعة منفعتها أمر ضروري. لقد شرعت مراكز خدمات برنامجيْ ميديكير (Medicare) وميديكيد (Medicaid) الأميركية في تحقيق قفزات فيما يتعلق بتقليص تلك المتطلبات بواسطة مبادرة "المرضى أولى من المعاملات الورقية". وإننا نعتقد أنّ الدافعين من القطاع الخاص ينبغي أن يتبنوا المبادئ ذاتها، وأن يوافقوا على مجموعة من المعايير التي تقتضي التوثيق فقط متى أضاف قيمة إكلينيكية حقيقية بالفعل.

في منظومة سداد الرسوم مقابل الخدمة، ستكون هناك دوماً رغبة لدى الدافعين في فرض متطلبات التوثيق لمحاولة الحد من المطالبات التي يدفعونها. ولكن، بينما تنتقل الولايات المتحدة إلى نماذج سداد أخرى، فإنّ لديها القدرة على تقليص الحاجة إلى التوثيق لتبرير الفواتير. بين كريستوفر لونغهيرست رئيس قسم تقنية المعلومات ومساعد رئيس الأطباء لشؤون الجودة والأمان في مستشفى جامعة كاليفورنيا سان دييغو هيلث، والمشارك في وضع دراسة طول السجلات الصحية الإلكترونية، أنّ المؤسسات التي تعمل بموجب نماذج السداد المستندة إلى نسبة المخاطر (التي يؤثر فيها حجم الخدمات بقدر أقل مباشرة على السداد) لديها متوسط أطوال سجلات أقصر. ولدى إدارة صحة المحاربين القدامى التي تعمل وفقاً لميزانيات ثابتة وتتعامل مع أطباء مدفوعي الأجر متطلبات توثيق محدودة نسبياً.

  1. ارتق بتدفقات عمل السجلات الصحية الإلكترونية باستمرار. وهذا أمر يستطيع جميع مزودي الخدمات إنجازه الآن. وهناك إمكانات عظيمة تتمثل في تحسين تدفقات عمل المستخدمين دون أي تغييرات تنظيمية أو ابتكارات تقنية. والزملاء الذين شهدوا تطبيقات للسجلات الصحية الإلكترونية عبر العديد من المؤسسات يُقدرون أن هناك متسع لتحسين تدفقات العمل في السجلات الصحية الإلكترونية بنسبة 20% تقريباً في المتوسط، وذلك باستبعاد الخطوات التي ليست لها أي قيمة. على سبيل المثال، جعلت شركة غايزينجر (Geisinger) التي تخدم المجتمعات في بنسلفانيا عملها انسيابياً بحيث وجهَت المرضى إلى مزود خدمات الرعاية العضلية الهيكلية المناسب لينتقلوا من عملية متعددة الإجراءات ومخيبة للآمال (أو مكالمة هاتفية تتراوح بين خمس وعشر دقائق) إلى عملية قوامها سؤالين فقط لا غير: ما هي شكوى المريض؟ وما هو مكان الإصابة؟ أدى هذا التحول إلى زيادات كبيرة في رضا مزود الخدمة، وقلص زمن الكشف على المرضى.

يعتقد جيم نوجا رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات في شركة بارتنرز هيلث كير، ومقرها بوسطن، أنّ تحسين تدفقات عمل السجلات الصحية الإلكترونية ينبغي أن يكون أشبه بدهان جسر البوابة الذهبية، وينبغي أن يكون مستمراً. كما خاض مارك فراهاس رئيس قسم جراحة العظام في مركز سيدارز سايناي الطبي (Cedars-Sinai Medical Center) في لوس أنجلوس عمليات تنفيذ السجلات الصحية الإلكترونية في ثلاثة مستشفيات، ويعكف حالياً بكل كد واجتهاد على إعادة تقييم العمليات بحيث لا يضيف نقرة واحدة في تدفق عمل السجلات الصحية الإلكترونية دون أن يزيل أخرى. وينبغي أن يتضمن جزء من عملية تحسين السجلات الصحية الإلكترونية وما يتعلق بها من تدفقات عمل إكلينيكية فحص الطبيب السريري أو العاملين المفترض مشاركتهم في أداء كل نشاط. على سبيل المثال، قسم كبير من مهمة إدخال المعلومات يمكن نقلها من الأطباء إلى غيرهم من العاملين.

  1. أطلق العنان للابتكارات. بدأت الطفرات التقنية – كالتعرف على الصوت والوثائق الرقمية والأجهزة المتصلة – بالفعل في أتمتة وتقليص الوقت اللازم لإدخال المعلومات في السجلات الصحية الإلكترونية بقدر أكبر. ولكن، فور إدخال كل المعلومات في السجلات الصحية الإلكترونية، ما زال الأطباء السريريون بحاجة إلى مساعدة فيما يتعلق بالنصف الآخر من المشكلة: ألا وهي تجربة مستخدم السجلات الصحية الإلكترونية التي تُعتبر على نطاق واسع متخلفة زمنياً بسنوات عدة عن غيرها من الصناعات.

إنّ الحاجة تقتضي الابتكار لتمكين الأطباء السريريين من تلقي الرؤى الثاقبة وثيقة الصلة سياقياً دون أن يضطروا إلى التنقيب في أكوام من المعلومات غير المهيكلة في السجلات الصحية الإلكترونية. والحاجة تقتضي الابتكار أيضاً فيما يختص بتصميم تجارب مستخدم أفضل وإعادة النظر في العوامل الشكلية (كالهاتف المحمول مثلاً) التي ستُجدي نفعاً أكثر من غيرها. تتمحور تجربة مستخدم السجلات الصحية الإلكترونية في وقتنا هذا حول الحاسب المكتبي، على الرغم من أنه بحلول نهاية عام 2018 أفادت التوقعات بأنّ ثُلث زيارات مواقع الويب في الولايات المتحدة ستتم من أجهزة محمولة.

من أين سينبع كل هذا الابتكار؟ تاريخياً، طور موردو السجلات الصحية الإلكترونية البرمجيات بأنفسهم، ولم يُتيحوا منصاتهم بشكل عام للغير. بدأ هذا الموقف يتغير الآن، حيث استحدثوا مؤخراً متاجر للتطبيقات لمطوري البرامج التابعين لطرف ثالث شبيهة بما أنجزته شركات الهواتف الذكية منذ عقد مضى. ومن بين الأمثلة في هذا السياق متجر آب أورتشارد لشركة إيبيك (Epic’s App Orchard) ومتجر آب جاليري لشركة سينتر (Cerner’s App Galler) وبرنامج مور ديسربشن بليز لشركة أثينا هيلث (Athenahealth’s More Disruption Please).

نعتقد أنّ المبتكرين من الأطراف الثلاثة لديهم أعظم قدر من الإمكانات التي تكفل لهم الارتقاء بشكل كبير بتجربة المستخدم للأطباء السريريين وصحة المرضى على حد سواء. على سبيل المثال، طورت جامعة جونز هوبكينز بالاستعانة بإطار عمل مفتوح المصدر يُعرف باسم كيركيت (CareKit) تطبيق "كوري هيلث" (Corrie) الذي ساعد على الحد من معدلات إعادة الإيداع بالمستشفيات لمدة 30 يوم من 19% إلى 3% لمرضى النوبات القلبية. إنّ مفتاح تمكين التجارب المثيلة وتعزيز المزيد من الابتكارات يكمن في وضع معايير أقوى بحيث لا يحتاج المطورون إلى إعادة بناء تطبيقاتهم لكل سجل من السجلات الصحية الإلكترونية. ثمة بادرة أمل تتمثل في مشروع أرجونوت (Argonaut Project) الذي ظل يُوسع مجموعة عناصر البيانات في واجهة برمجة تطبيقات موارد التشغيل البيني السريعة للرعاية الصحية (فاير) على مدار السنوات العديدة الماضية. وثمة مشروع آخر يُدعى "سي إم إس"، ويتطلب جزء من برنامج تعزيز التشغيل البيني الخاص به من مزودي خدمة الرعاية الصحية بداية من يناير/كانون الثاني 2019، إتاحة بياناتهم عبر واجهة برمجة تطبيقات "فاير" كي تتمكن تطبيقات المرضى من الاستعلام استناداً إلى تلك البيانات. على سبيل المثال، ثمة خاصية جديدة تقدمها السجلات الصحية لشركة آبل على هاتف آيفون يسمح للناس بتخزين وجمع سجلاتهم الصحية بأمان عبر مزودي خدماتهم الطبية.

ثمة ميزة أخرى لمزيد من التوحيد في واجهات برمجة التطبيقات عبر السجلات الصحية الإلكترونية، وتتمثل في أنّ هذا التوحيد سيسمح بدمج البيانات المستخلصة من سجلات صحية إلكترونية بسلاسة أكبر في سجلات صحية إلكترونية أخرى بحيث يستطيع الطبيب بسهولة الاطلاع على التاريخ الطبي الكامل لأي مريض. والأساس التحضيري لهذا التوحيد جار بالفعل لتمكين تبادل البيانات بين السجلات الصحية الإلكترونية وبعضها. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أعلنت شبكتا السجلات الصحية الإلكترونية الرائدتان، كومونويل هيلث ألايانس ( Commonwell Health Alliance) وكير كواليتي (Carequality)، وهما مؤسستان غير ربحيتين، عن أنّ مزودي الخدمات على شبكتيهما سيكون بوسعهم الآن تبادل المعلومات على مستوى ثنائي مع بعضهم البعض. ويشبه ذلك اندماج السكك الحديدية الشرقية والباسيفيكية لتشكيل أول سكك حديدية عابرة للقارات عام 1869.

إننا متفائلون بأن نشهد أياماً أفضل تطل علينا في الأفق للأطباء السريريين، ونعقد الآمال على تجاوز حضيض معضلة قابلية استخدام السجلات الصحية الإلكترونية. لكن التحسينات لن تحدث من تلقاء ذاتها، وتقتضي الحاجة إلى أن يكون هناك إقرار واسع النطاق بأنّ إنفاق الأطباء نصف وقتهم في استعمال السجلات الصحية الإلكترونية هو أزمة من أزمات الرعاية الصحية يجب علاجها. ينبغي أن يكون هناك إلزام للدافعين بتوحيد متطلبات التوثيق وتقليصها. ولا يقل أهمية عن ذلك أنه ينبغي علينا تعزيز واجهات برمجة التطبيقات وتأمين معايير مشاركة البيانات لإطلاق عنان الابتكار الثوري. إنّ هذه الجهود، مدعومة بمراجعة مزودي الخدمة لتدفقات عمل سجلاتهم الصحية الإلكترونية بدأب وتحسينها، ستنتقل بالسجلات الصحية الإلكترونية من كونها مضيعة للوقت إلى أداة لتوفير الوقت ومتعة في استخدامها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!