تابعنا على لينكد إن

ثمة كاريكاتور قديم أعرضه دائماً على المدراء الذين أعمل معهم. يصوّر هذا الكاريكاتور فريقاً تنفيذياً باسماً يجلس إلى مائدة طويلة، والرئيس يطرح السؤال التالي: “الجميع موافقون؟” بينما الكل يرفعون أيديهم. وفي هذه الأثناء، ثمة مربع مرسوم فوق رأس كل شخص يتضمن الفكرة المضادة التي تجول في خاطره: “هل تمزح يا رجل؟” “العياذ بالله!” “دعك من هذه الفكرة”. ولطالما كان هذا الكاريكاتور يثير الضحك بين هؤلاء المدراء الذين يرون أنّ الصورة تمثّل وضعهم أفضل تمثيل.

أنا لدي اسم أطلقه على هذا المزيج من الإذعان، والامتثال، والعدوانية السلبية التي تخنق الموظفين والفرق. فأسميها “الأدب المدمّر”.

وشهدت ذلك عدداً لا يحصى من المرات. فبعد جلسات نقاشية، تسمى غالباً “العصف الذهني”، سيوافق الفريق على أكثر الاقتراحات أماناً، ويسير بها وهو نصف مقتنع بما سبق وتقدم، ويلهي نفسه لتحاشي الاعتراف بما يعرفه الجميع أصلاً: ألا وهو أنّ هذا المقترح غير نافع.

عندما أحاول سبر أغوار آلية العمل هذه مع المدراء، يميلون عادة إلى تفسير الأمر بأنّ حذرهم يعكس وضعهم القلق. فهم يشعرون بخطورة إبداء أي قدر من الاعتراض، ولاسيما إذا كان المرء غير قادر على تقديم مسار بديل للأمور. فذلك يجعلهم يبدون وكأنهم لا يفقهون شيئاً، أو أنهم يحاولون عرقلة عمل مديرهم أو زملائهم.

وكعادة شخصية، نحن غالباً ما نبرر الأمر أننا غير راغبين في إحراج الآخرين أو نريد الظهور بمظهر الداعم. وكمعيار جماعي، نحن نعزز هذه الحالة من خلال الترويج للثقافات “البنّاءة” التي تنظر بازدراء إلى الآراء المخالفة بوصفها شكلاً أدنى من المشاركة مقارنة مع إبداء الحماسة.

يُعد الأدب العنيف عادة شديدة التأصل فينا، إلى حد أننا نحاول دائماً اختلاق الأعذار لتبريرها. وننسى دائماً أنّ علاقاتنا الأوثق هي ليس تلك التي نحاول تلميع التوتر الذي في داخلها، وإنما العلاقات التي تقوم على الصراحة ويمكن للمرء أن يقول رأيه فيها بأمان.

نخدع أنفسنا دائماً بأن الزمن سيجعلنا أكثر صراحة، كما لو أنّ الزمن لوحده لم يفعل شيئاً أكثر من تحويل التردد الذي في داخلنا إلى شيء من السطحية. وفي هذه الأثناء، يؤدي الأدب العنيف إلى اضمحلال التعاون واتخاذ القرارات. بل هو يقتل الحماسة ويؤدي إلى توقف التعلم.

نحن وبكل طيش نرجم هذا الحجر الذي يقتل عصفورين، ونزعم بأننا نحتفي بهما، ألا وهما صوتنا وعلاقاتنا. وبعد أن نكون قد مارسنا هذا الأمر لما يكفي من الزمن إلى الحد الذي نكون معه فقدنا الأمل بأن ننطق بالحقيقة أو نسمعها، أو أنّ نهتم بحق لأمر الآخرين ويهتمون هم لأمرنا، نقول لأنفسنا: “لقد أصبحنا وحيدين في القمة”.

بالطبع أنت ستشعر بالوحدة، وليس في القمة فقط، بل ستكون وحيداً في كل مكان تحس فيه بأنك مضطر إلى التخلي عن صوتك كي تظل في الغرفة. بل أنت ستشعر بالوحدة عندما تكون العلاقات زائلة.

عندما أعرض الكاريكاتور السابق الذي ذكرته على المدراء، فإنّ معظمهم يتعرّفون على أنفسهم فيه بوصفهم أعضاء في فريق يمارس الرقابة الذاتية ويتظاهر بأنه موافق على كل شيء. القليل منهم فقط يتماهون مع رئيس الجلسة. ولا عجب في ذلك. وعندما أطلب منهم أن يضعوا أنفسهم موضع رئيس الجلسة، وأن يحاولوا أن يخمّنوا كيف ستكون مشاعرهم عندئذ، فإن الضحك يتوقف عادة.

“الوحدة” هي أكثر الإجابات شيوعاً. ومن بين الإجابات الشائعة الأخرى نجد: “مثقل بالأعباء”، “لا يحظى بالثقة”، “لا يفقه شيئاً”.

نحن ليس بوسعنا التخلي عن الأدب العنيف أو وضع حد للوحدة في القمة، أو في أي مكان آخر، حتى نكون جاهزين إلى التوقف عن الاختباء في وضح النهار. إنها خطوة صغيرة تحتاج إلى الكثير من الشجاعة.  وذلك لنأخذ عملنا بجدية ونأخذ أنفسنا بجدية بقدر أقل. والشجاعة بأن نكون هشين وكرماء في الوقت ذاته، ونتوقف عن نعت من لا يقبلون بالاختباء أنهم معيبون.

لا تختلف “القمة” بهذه الطريقة عن أي مكان آخر. نحن بحاجة إلى أصدقاء جيدين كي ننجح ونكون على سجيتنا الحقيقية، أي أصدقاء حقيقيين من النوع الذي يفضّل أن يكون صادقاً بقسوة على أن يكون مؤدباً بعنف. قيل يوماً: “رحم الله من أبكاني وبكى علي، وليس من أضحكني وضحك علي”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz