إذا كان رأيك المهني غير متقبل من قبل شخص ما، وكان يبدي رد فعل سيئ جداً، فكيف بوسعك أن تتعامل معه؟ ماذا لو كان من النوع الذي يلجأ إلى الصراخ أو البكاء وفتح سجلات الماضي والتلاعب بالكلام؟

دعونا هنا نأخذ مثالاً عملياً عن امرأة نفرص أنّ اسمها هناء. كانت هناء تترأس فريقاً تمكّن في الآونة الأخيرة من إنجاز مشروع لم يكن تجربة عظيمة لكل المعنيين به. فبالنسبة لمعظم أعضاء الفريق، كان المشروع مخيباً للآمال منذ بدايته: فأعضاء الفريق كانوا قد كُلّفوا بالعمل عليه من قبل الإدارة، ولم يختاروا بأنفسهم المشاركة فيه، وكان الجميع يعرف بأنّ المشروع ليس بالأمر المهم، ولم تكن محصلاته مفيدة عملياً إلا بالنسبة لمدير هناء المباشر، والذي كان يريد تلك النتائج لصالح بحث علمي يجريه. ولم يكن لهناء دور قوي. فقد كانت الأعلى منصباً بين أقرانها والمسؤولة عن تنسيق المشروع مع الإدارة، لكن جعبتها كانت مليئة بالمسؤوليات أكثر من امتلائها بالسلطة أو الصلاحيات الفعلية. أما الجزرة التي لوّحت بها الإدارة لأعضاء الفريق فهي أنّ هذا المشروع كان عبارة عن جسر أو معبر. فإذا كانت النتائج مرضية، فإنّ أعضاء الفريق يمكنهم توقع الحصول على مشاريع أهم مستقبلاً.

من جهة أخرى لدينا منير، وهو أحد أعضاء الفريق الذين يعملون انطلاقاً من موقع مختلف للشركة. لم يكن منير يأخذ المشروع على محمل الجد، واعتبره أقل أولوية من أعماله الأخرى. لذلك كان ينجز المهام المطلوبة منه بخصوص المشروع في وقت متأخر غالباً (هذا إن أنجزها أصلاً). لكنه كان يعلم بأنّ هناء ستعوض أي نقص يتسبب به، لأن مصلحة مديرها كانت تقتضي أن يقوم شخص ما بإنجاز هذه المهام الناقصة. واعتبر منير ذلك بمثابة حل عملي، فقد كانت جعبته مليئة بالأعمال والمهام أصلاً. لكن النقطة التي أخطأ في حسابها هي افتراضه بأنّ الإدارة ستنظر إلى عمل الفريق بأكمله فقط، وربما كانت نظرته هذه ساذجة نوعاً ما، أو لعلها كانت محاولة منه لتبرير أفعاله أمام نفسه. لكن الذي حصل عملياً هو أنه عندما انتهى المشروع، طلبت الإدارة من هناء اقتراح أفراد من الفريق للعمل على مشروع جديد أهم. ولم يكن منير واحداً من الأسماء المقترحة، إذ أنّ هناء حددت موعداً لجلسة معه مخصصة لتقديم الرأي المهني بعمله، ولتخبره بقرارها.

كانت هناء تعلم تماماً بأن الحديث مع منير لن يسير على ما يرام. فقد كان معروفاً بأنه يصرخ في وجوه الناس، ويشوّه كلماتهم، ويتهمهم بالتآمر عليه بوصفه هو الضحية، إلى ما هنالك من هذه التصرفات. أما هناء فقد كانت تملك طبعاً مخالفاً لطبعه تماماً، لذلك فإنّ مجرد فكرة إخبار منير بنتائج تقويمها المهني لأدائه كانت بمثابة كابوس بالنسبة لها.

كيف يجب أن تتعامل مع هذا الوضع؟

عندما نخشى رد الفعل الذي سيبدر عن شخص ما، فإنّ معظمنا يحاول البحث عن تقنيات لجعل الشخص الآخر يتصرف بطريقة مختلفة. ولكن عندما يتلقى الناس آراء لا يوافقون عليها بخصوص أدائهم، فإنهم عموماً يكررون ذات التكتيكات التي طبقوها بنجاح في الماضي، وهذا ما يدفعهم إلى استعمالها مجدداً. فعندما سيسمع منير الرأي السلبي بأدائه، على الأغلب سيُفاجأ وسيستشيط غضباً. وهو سيعتقد بأنّ هناء أساءت تمثيل المشروع، وبأنّها تريد التضحية به بوصفه كبش الفداء، مجردة إياه بذلك المكسب الوحيد من أربعة أشهر من العمل. فبحسب وجهة نظر منير، أسلوبه في الرد عليها منطقي: فهناء شخص غير موثوق، وهي ليست مديرته أصلاً، وتنوي إيقاع الأذى به. فلماذا يجب أن يتصرف بطريقة مختلفة؟ هو يريد أن يدفعها إلى التراجع عن موقفها.

تستشعر هناء هذا السيناريو، لكن طبعها الهادئ يجعلها عرضة للوقوع في فخ ما يسميه صاحب النظريات في مجال الأعمال كريس آرغيرس “الاستراتيجيات الدفاعية”، وهي عبارة عن سلوك غامض وغير مفيد يختاره الشخص لتجنب الشعور بعدم الارتياح في العلاقة مع شخص آخر. (من الأمثلة على ذلك يكون استسلام هناء أمام منير، والاعتذار منه، وموافقته الرأي في أنه قد تعرض إلى الإساءة، مع التأكيد على أنها مجرد رسول، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. أو قد تبعث له الرسالة عبر البريد الإلكتروني، لتتركه بذلك يجيش بالغضب من دون معالجة وضعه. أو تطلب من شخص آخر أن يخبره بالأمر. فأي من هذه الإجراءات سيحمي هناء من الشعور الفوري بعدم الارتياح، لكنه يشير أيضاً إلى ضعف في الكفاءة لديها). وبحسب آرغيرس فإنّ الاستراتيجيات الدفاعية تصبح حالة من “البراعة في عدم الكفاءة”، حيث أنّنا نصبح بارعين فعلاً في تحاشي الأجزاء الصعبة، لكننا لا نستطيع الوصول إلى محصلات جيدة ولن نتمكّن البتة من إنجاز أهدافنا. لذلك فمن غير المنصوح به اتباع هذه المنهجية في تقديم آراء مهنية إلى الآخرين بخصوص أدائهم، حتى ولو بدت هذه المنهجية أفضل من المواجهة الصريحة.

ولكن إذا حاولت هناء أن تجاري منير في أسلوبه القائم على المواجهة، رغم أنها تعلم يقيناً بأنّ ذلك الأمر لن يحظى بالترحاب، فمن المؤكد أن يرتد عليها ذلك سلبياً. فالانفعالات ستزداد، وطرفا الحديث سوف ينحدران إلى الدرك الأسفل، الأمر الذي سيدمر علاقتهما، وربما يدمر سمعتيهما.

وتُعتبر هناء بحاجة إلى تجريب مقاربة مختلفة. يكون أحد التكتيكات التي يمكن أن تتبعها هو التركيز على تحصين نفسها من الوقوع ضحية نتيجة لسلوك منير الصعب. فهذا الأمر يشبه العالم الذي يركّز على الخلية وليس على الجرثومة، أثناء دراسته للكيفية التي يدمر بها الجرثوم.

فكيف تحصّن هناء نفسها ضدّ انفعالات منير الشديدة؟ يمكنها تحصين نفسها من خلال إدراكها بأنّ تكتيكه لن ينجح ما لم تُظهر “هي نفسها” رد فعل معيناً. فعوضاً عن إبداء رد الفعل، يمكنها التجاوب بطريقة حيادية من دون الاستسلام له أو التخلي عما تود قوله. وللوصول إلى هذا الهدف، يمكنها استعمال قاعدة متبعة للحديث برباطة جأش في المواقف الصعبة وتتسم بثلاث صفات: المحتوى الواضح، والنبرة الحيادية، واستعمال عبارات معتدلة في صياغة الكلام (وهذا الأسلوب هو النقيض تماماً لكل من البراعة في عدم الكفاءة أو المواجهة).

المحتوى الواضح: دع كلماتك تنجز المهمة المطلوبة منك نيابة عنك. قل الشيء الذي تعنيه فعلياً. تخيل بأنّك مذيع في التلفاز ويتعيّن عليك أن تُفهم الناس المعلومات. فإذا شوّه الشخص الواقف أمامك ما تقوله، أعد كلامك تماماً كما قلته في المرة الأولى.

النبرة الحيادية: النبرة هي الجزء غير الملفوظ من الرسالة التي تحاول إيصالها. وتتجلّى في نبرة صوتك، وتعابير وجهك، ولغة جسدك الواعية وغير الواعية. فهذه الأشياء لها ثقل عاطفي أثناء خوضك للنقاشات الصعبة. ومن الصعب عليك أن تستعمل نبرة حيادية عندما تكون انفعالاتك عالية. لذلك أنت بحاجة إلى أن تتدرب على الأمر مسبقاً، بحيث تصبح معتاداً على سماعه. تذكّر الحيادية الكلاسيكية التي تطبع عمليات التواصل في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في الأوضاع الصعبة، حيث أنّ ما يقولونه في تلك الحالة بسيط جداً: “ماهر، لدينا مشكلة”.

استعمال عبارات معتدلة في صياغة الكلام: هناك طرق كثيرة لكي تقول بها ما تريد. بعضها معتدل، وبعضها الآخر يستفز الشخص الجالس قبالتك نتيجة اللغة المشحونة المستعملة. فإذا كان نظيرك الواقف أمامك ينبذ كلماتك، أو يقاومها، أو يعيدها إليك، فإنّه على الأغلب سوف يتمسك بالمحتوى الذي تقوله، لذلك حاول أن تختار كلماتك بمنتهى العناية والتأني.

المحتوى الواضح، والنبرة الحيادية، واستعمال العبارات المعتدلة هي ثلاثة أشياء تأتي معاً كرزمة واحدة غير قابلة للتجزئة. فهناء لن تحصل على نتائج جيدة، إذا استعملت عبارات معتدلة، لكنها خلطت رسالتها بالكثير من التناقضات في لغة الجسد. كما أنّ النجاح لن يحالفها إذا كانت تعتقد بأنّ كلامها فظ لذلك تلجأ إلى التخفيف من وقعه. فالفظاظة هي سمة من سمات صياغة الكلام بأسلوب غير معتدل، وليست من سمات محتوى الكلام. لذلك فإنّ التخفيف من وقع المحتوى لحل مشكلة الصياغة لن يوصلها إلى مقصدها.

فإذا قالت هناء لمنير: “في فبراير/شباط، ومارس/آذار، وأبريل/نيسان، أنت لم تقدم المحصلات التي التزمت بتقديمها في التواريخ التي وافقت عليها”، فإنّ محتوى كلامها واضح وصياغته معتدلة. ويجب أن نتخيّل بأنّ نبرتها حيادية، لكن هناء قادرة على فعلها. فإذا قالت: “بعد أن تأخرت في إنجاز هذه المهام المطلوبة، لا أستطيع أن أدعم تزكيتك للعمل في مشروع جديد”، فإنّها تكون بذلك واضحة ومعتدلة مجدداً. نحن نعلم بأنّ هذه الأخبار غير سارة، وبأنّ منير سيلجأ على الأرجح إلى ترسانته من التكتيكات الصعبة. لكن هناء تقف على أرضية صلبة، وهي لا تبدل رسالتها ولا تتجاوب مع تكتيكاته. ومع وجود هذه القاعدة الثلاثية المذكورة أعلاه، يكون التكرار أفضل حل بين يديها: فإذا ما تحداها منير أو شوّه رسالتها، فإنّ هناء قادرة على تكرار ما قالته للتو، عوضاً عن اللحاق بمنير إلى جحر الأرنب تحت الأرض، كما يقول المثل الشائع. وعندما يحين موعد إنهاء الاجتماع، يمكنها أن تقول شيئاً بسيطاً من قبيل: “شكراً على حضورك للاجتماع. أتمنّى لو أنّ الأمور سارت بطريقة مختلفة”.

هل سيكون منير سعيداً بهذه المحادثة؟ لا أعتقد ذلك. فلا أحد يحب سماع الآراء السلبية. ولكن تذكر ما يلي: أثناء تقديمك لرأي مهني سلبي إلى شخص سيتخذ على الأرجح موقفاً دفاعياً، ليس واجبك هو أن تجعل ذلك الشخص يشعر بالارتياح، وإنما يتمثل واجبك في تقديم المعلومات بطريقة واضحة وحيادية ومعتدلة من خلال التمسك بالحقائق وبهذه القاعدة الثلاثية أيضاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!