تابعنا على لينكد إن

جيمس ديتيرت وإيثان بوريس

تُظْهِرُ الدراسات التي أجريت بخصوص العلاقة بين الوضعيات الجسدية والسلطة بأن تعديل الإنسان لوضعيته الجسدية، وتعابير وجهه، وصوته بشكل متعمّد يمكن أن يساعده في التعبير عن أفكاره والأمور التي تشغل باله بأريحية أكبر وفي كسب المزيد من النفوذ. ويصحّ هذا الأمر بغضّ النظر عن اللقب الوظيفي لذلك الإنسان أو المنصب الذي يشغله. فبكلّ بساطة إذا عدّلت وضعيتك لتبدو وكأنّك أعلى بدرجة أو درجتين من الناس الجالسين أمامك، فإنهم سسيتصرّفون معك بطريقة مختلفة. وغالباً ما يكون هؤلاء الناس غير مدركين بأنهم يتجاوبون معك بهذه الطريقة، ومع ذلك فإنّ هذا الأمر يترك أثره الكامل عليهم مهما كانت طبيعة العلاقة التراتبية التي تجمعك بهم، وسواء كان منصبك رسمياً أم غير رسمي.

لا بل أكثر من ذلك، حيث يمكن القول بأنّ الإشارات السلطوية التي تصدر عن الناس بشكل غير مقصود تترك أثراً مشابهاً أيضاً. فبعد 15 عاماً تقريباً من دراسة السبب الذي يجعل الناس يمتنعون عن مواجهة المسؤولين والتصدّي لهم، اكتشفنا في حالة تلو الأخرى، بأنّ القادة يرسلون إشارات توحي بمقولة “أنا المدير” دون أن يدركوا ذلك. وهذه الإشارات غير المباشرة تمنع الناس الآخرين من أن يطرحوا عليهم أفكاراً جديدة. ورغم أنّ العديد من القادة يرغبون في التواصل بشكل صادق وصريح مع موظفيهم، ورغم أنّ بعض هؤلاء المدراء يبذلون جهوداً مضاعفة ليظهروا مدى انفتاحهم وتقبّلهم لآراء الآخرين، إلا أن حضورهم الطاغي كمدراء يتنافى مع نواياهم الطيّبة. لكنّ الأمر ليس ميئوساً منه بالكامل. فإدراكك للإشارات السلطوية التي تبدر منك وإدخال تعديلات بسيطة عليها يمكن أن يجعلا الناس أكثر ارتياحاً في الاقتراب منك والتفاعل معك.

دعوني أعطيكم مثالاً عن هذه الآلية مما يجري في المستشفيات، وخاصّة أن الناس يشعرون فيها بشيء من الضعف والهشاشة. فقد استعرنا مكتب أحد الأطباء وأخذنا ثلاث صور لـ “مريض” و”طبيب” (كلاهما كانا ممثلين محترفين، حيث كان “الطبيب” يرتدي رداء الأطباء الأبيض ويحمل سمّاعة طبية). في الصورة الأولى، كان الشخصان يجلسان على نفس السوية، حيث بدا الأمر وكأنّه حديث معتاد يجري بين طبيب ومريض. وفي الصورة الثانية، كان كرسي الطبيب أعلى بمقدار 40 سنتيمتراً بحيث كان ينظر إلى المريض من الأعلى. أمّا في الصورة الثالثة، فقد كان المريض جالساً على طاولة الفحص، وينظر إلى الأسفل نحو الطبيب.

أمّا كلّ العناصر الأخرى في الصورة فقد ظلّت ثابتة دون تغيير. ثمّ عرضنا هذه الصور على مجموعة من المرضى بشكل عشوائي حيث عرضنا صورة واحدة على كل مريض وطلبنا منه أن يتخيّل نفسه بأنّه هو المريض في السيناريو التالي الذي طرحناه عليه: “بعد أن أجرى الطبيب فحصاً سريعاً لاستقصاء مشكلة في معدتك، يقول لك وكأنّه يريد منك الانصراف بسرعة بأنّ قلقك غير مبرّر ويباشر في إنهاء المقابلة. لكنك لا تزال مقتنعاً بأنّ هناك مشكلة لازالت قائمة.”

ثمّ أجاب المشاركون في التجربة عن سؤالين حول مدى رغبتهم في الاعتراض والحديث بصراحة مع الطبيب. عندما كان المريض على مستوى نظر الطبيب (كما في الصورة الأولى) أو أعلى من الطبيب (كما في الصورة الثالثة)، فإن المشاركين عبّروا عن حالة من الرهبة البسيطة. ولكن عندما كان الطبيب يجلس على مستوى أعلى من المريض، فإنّ المشاركين عبّروا في تلك الحالة عن درجة عالية من الشعور بالرهبة، وبما يقارب درجة أعلى على سلّم مؤلف من سبع درجات.

بطبيعة الحال لا تقتصر الإشارات السلطوية على طريقة الوقوف أو الجلوس، بل تتجاوزها لتشمل عناصر أخرى أيضاً. فوضعك لذراعيك على جانبي جسدك (عوضاً عن مصالبة يديك أمام صدرك)، وخفضك لصوتك، وارتداؤك لملابس أقل رسمية، بل وحتّى الابتسام تجعل الناس أميل إلى مشاركتك بأفكارهم. وهذا الأمر يصحّ على الإشارات السلوكية أيضاً، مثل الجلوس إلى الموائد ذاتها التي يجلس الناس إليها لتناول طعام الغداء، وعدم المبادرة لتكون أوّل من يقدّم وجهة نظره خلال الاجتماعات.

كما تُعتبرُ البيئة المكانية هامّة أيضاً. فإحدى المديرات اللواتي أجرينا مقابلة معها، وكانت تشغل منصب مديرة إحدى وكالات الخدمات الاجتماعية الحكومية، كانت قد حصلت في بادئ الأمر على مكتب يضمّ جدراناً قاتمة جدّاً وأثاثاً خشبياً كبير الحجم. وقد اكتشفت بأنّ الغرفة كانت كئيبة وتدبّ الرعب في نفوس الموظفين خلال الاجتماعات. لذلك لجأت سريعاً إلى تغيير لون دهان الحائط واشترت مائدة مستديرة صغيرة. وسرعان ما لاحظت تزايد أعداد الموظفين القادمين إلى مكتبها للتدقيق بسرعة في بعض القضايا والتفاصيل، ولطرح الأفكار بخصوص التحسينات المحتملة.

في بعض الأحيان، قد يكون خروجك من مكتبك بالكامل هو الطريقة الأنسب لخلق حالة من الثقة مع الناس، وجعلهم يشعرون بقدر أكبر من الاسترخاء بحيث يتشجّعون بشكل أكبر لخوض نقاش صريح معك. فرئيس إحدى الشركات الائتمانية يقيم غداءً شهريا يسمّيه “الغداء مع الرئيس” في المطاعم المحلية في المنطقة، مستفيداً من هذا النشاط الذي يجري خارج أروقة الشركة بوصفه فرصة للتعارف بشكل أكبر مع بعض الناس وللإصغاء إليهم وهم يتحدّثون عن تجاربهم في العمل. وفي إحدى شركات التأمين المدرجة في قائمة (Fortune 500) يزور كبار المدراء مراكز الاتصالات يوم الجمعة مساءً (أي في آخر يوم عمل في الأسبوع) لتناول الشاي والبسكويت بشكل غير رسمي مع الموظفين الذين يقعون في مرتبة أدنى منهم بواقع درجتين إلى خمس درجات وظيفية. وهذا الأمر يجري عندما تكون كمية الاتصالات الواردة إلى المركز في حدودها الدنيا. فهذا هو الوقت الأنسب ليعبّر المندوبون عن أفكارهم ومخاوفهم المتعلقة بالاتصالات التي وردت خلال الأسبوع المنتهي. كما أنّ الحديث يجري “في ملعبهم وبين جمهورهم” إذا جاز التعبير، وهذا الأمر يُشعرهم بالارتياح ويمكّنهم من الحديث بصراحة.

كما تبيّن هذه الأمثلة جميعها، فإنّ الإشارات السلطوية الصغيرة تبعث برسائل كبيرة، لذلك يجب التعامل مع هذه الإشارات بطريقة واعية ومتعمّدة من أجل تشجيع الناس على التعبير بانفتاح. وفي المقابل، فإنّك ستحصل على أفكار أفضل من موظفيك، ناهيك عن تفاعلهم الأكبر معك وولائهم الأكبر لك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz