تابعنا على لينكد إن

هل سبق لك أن تساءلت يوماً لماذا يمكن لشخصين أن يقولا الشيء ذاته خلال اجتماع معيّن، لكنّ واحداً منهما فقط يفوز بالثناء على كلامه؟ يرتبط الأمر، في أحيان كثيرة، بالطريقة التي “نبدو فيها” للناس، وهي ما يحدّد إذا ما كانوا قد “سمعونا” فعلاً أم لا.

نعلم جميعنا متى يبدو الشخص متوتراً ومتى يبدو واثقاً من نفسه. فتخيّل مثلاً الجملة التالية تلفظ بطريقة متردّدة: “لديّ شيء أقوله لكم” في مقابل شخص واثق من نفسه يتلفظ بالجملة ذاتها. لا شكّ في أن الفرق بين الاثنين كبير. وبالتالي أي من الحالتين ترغب من الموظفين أن يتحدّثوا بها إلى زبائنك؟

دارت في الآونة الأخيرة نقاشات كثيرة حول الناس الذين ينطقون جملهم وعباراتهم بطريقة تبدو معها وكأنها أسئلة، وكذلك عن الحالات التي يكون فيها صوتنا ضعيفاً ومخربشاً، ولاسيما في نهاية كل جملة. وكانت هذه التحدّيات تُنسب دائماً إلى المتحدّثات من النساء، لكنني ألاحظ وجودها لدى الرجال والنساء، على حدّ سواء، والحل في كلتا الحالتين يكمن في التنفس بعمق أكبر.

بوصفي كنت مغنية أوبرا سابقة، أعلم تماماً مدى تأثير التنفّس على الكيفية التي يبدو بها صوتنا. فالمُطربون والمغنّون يتعيّن عليهم استعمال التنفس العميق من أجل إخراج صوتٍ قويٍ يصل إلى كل شخص من الأشخاص الجالسين في المسرح المكتظّ بالجمهور. ولم أكن أعتقد أبداً بأن هذه المهارة ستساعدني بعد اعتزالي لفن الأوبرا – حتى حان وقت إلقائي لخطابي الأول. وقتها أدركت إلى أي مدىً جعلني تدريبي الأوبرالي هذا خطيبةً قويةً.

أمّا الآن وبعد أن درَّستُ فنّ الخطابة ومهارات تقديم العروض لأكثر من عقد من الزمن، أستطيع أن أجزم وبكلّ ثقة بأن القدرة على التحكّم بالتنفّس هي واحد من أهم المجالات التي يجب أن يركّز عليها من يتلقّون تدريباً على فن الخطابة والإلقاء وهو لا يحظى بما يكفي من الاهتمام. لكنّ التحكّم بالتنفّس ضروري لك عندما تتحدّث في اجتماع، وهو حاسمٌ أيضاً عندما تلقي خطاباً أو تقدّم عرضاً. إنه واحد من العناصر الأساسية لتثبت حضورك كمدير تنفيذي.

وهذه ليست قضية جديدة؛ فمارغريت تاتشر تلقّت دروساً في الصوت عندما أصبحت رئيسة وزراء المملكة المتّحدة، وثمّة شريط فيديو معروفاً يظهرها “قبل وبعد” تلقّي هذه الدروس، ويبيّن الفرق الكبير بين الحالتين. وكان بعض الناس الذين شاهدوا الفيديو قد اعتقدوا بأنها تحاول بشكل واع أن تتحدّث بصوتٍ أخفض (وثمّة أبحاث ملفتة تقول بأن الناس الذين يمتلكون صوتاً أعمق يعتبرونَ أنجح في عالمي الأعمال والسياسة). لكنّ الفرق في حالة تاتشر يكمن في اختلاف “طريقة تنفّسها”، الأمر الذي يجعل صوتها أغنى، وذا رنّة أكبر، ونتيجة لذلك، يجعله أخفض.

عندما عرضت ذلك الفيديو على طلابي في كلية كندي في هارفارد، انقسم الطلاب فيما بينهم بخصوص ما اعتبروه الأفضل من وجهة نظرهم. فبعضهم فضّل صوتها السابق قبل التدريب لأنه كان ناعماً وأنثوياً، في حين فضّل آخرون الصوت اللاحق، لأنهم اعتقدوا أن هذا هو الصوت الذي يجب أن يصدر عن رئيس الوزراء.

بغضّ النظر عن جنسك أو صوتك، السؤال الأهم هو كيف بوسعك أن تستفيد من قوّة تنفّسك لكي تتحدّث بثقة وسلطة؟
ابدأ باتخاذ الوضعية الجسدية الصحيحة. قف بحيث تكون قدماك متباعدتين قليلاً وواقعتين تحت كتفيك مباشرة بذات المسافة، على أن يكون وزنك موزّعاً على الجهتين بالتساوي، ثم ارفع ذراعيك فوق رأسك. الآن، وأنت تقوم بالزفير وإخراج الهواء من صدرك، حاول أن تخفض ذراعيك ببطء لتضعهما على جانبي جسدك، وحافظ على قفصك الصدري في مكانه. تأكّد من أن كتفيك متراجعان إلى الوراء وليسا مرتفعين إلى ما وراء أذنيك. فهذه هي الوضعية المثلى للخطابة والحديث (والغناء)؛ فأنت في هذه الحالة منتصب القامة بالكامل، وتوحي بأنك شخص واثق تماماً.

تنفّس بعمق

ضع إحدى يديك على سرّتك وضع الأخرى على صدرك. خذ نفساً عميقاً، ولاحظ أي اليدين تتحرّك. أنا أرى الكثير من الناس يتنفّسون وصدرهم هو الذي يعلو ويهبط، لكنني أريدك أن تحافظ على ثبات صدرك وأن تفكّر في التنفّس من معدتك وأنت تأخذ نفساً. بعد ذلك حاول أن تزفر الهواء ببطء، تماماً كما يحصل عندما يخرج الهواء من البالون. ثمّ حاول أن تستند إلى الجدار بحيث يكون ظهرك مستقيماً إلى الحائط في حين تكون رجلاك محنيتان قليلاً. فهذه الوضعية تساعدك في التركيز على بطنك أثناء التنفّس، عوضاً عن تحريك صدرك. ولكن إليك الملاحظة الهامّة التالية: إذا شعرت بأن رأسك قد بات خفيفاً أو شعرت بشيء من الدوخة، أوقف هذا التمرين وعد إلى تنفّسك الطبيعي. فالتمرين لا يجب أن يكون مؤذياً وإنما هو ببساطة يهدف إلى منحك شعوراً مختلفاً.

تحدّث “وأنت تتنفّس”

بعد أن تأخذ ذلك النفس كاملاً، قد لا تعلم ماذا تفعل به. وعوضاً عن الاحتفاظ بذلك النفس في أعماقك، استعمله لتدعم كلماتك، بحيث تقوم بإخراجه بشكل مضطرد وأنت تتحدّث. ودعوني هنا استعمل تشبيهاً من طبق “السوشي” من المطبخ الياباني. تخيّل قطعة من الساشيمي: وهي عبارة عن شريحة رقيقة من السمك الموضوعة فوق طبقة من الأرز. تخيّل صوتك مثل شريحة السمك هذه، وتخيّل بأن نَفَسَكَ مثل طبقة الأرز الموضوعة تحت قطعة السمك. فلكي تدعم الصوت، أنت بحاجة إلى تيار تنفسي ثابت وممتلئ يرافق الجملة بأكملها. فما الذي يحصل عندما تكون قطعة السمك أطول من طبقة الأرز؟ ستجدها وقد تدلّت – وهذا تماماً ما يحصل لصوتنا عندما ينقطع نفسنا في نهاية الجملة، الأمر الذي يخلق هذا الاحتكاك الذي يجعل الصوت مبحوحاً. لذلك عندما تتحدثّ، تدرّب على الزفير البطيء أثناء الكلام بحيث تجعل صوتك يرنّ وهو مدعوم بِنَفَسِك بالكامل. أولاً، تدرّب على الزفير وأنت تعدّ ببطء: “1… 2… 3… 4… 5…” ثمّ تدرّب على الزفير أثناء النطق بالكلمات التالية: “مرحبا، أنا اسمي فلان (اذكر اسمك هنا)..”

تدرّب باستعمال هاتفك الذكي أو مع شريك

من الأسهل على الآخرين أن ينتبهوا إلى التغيّر الحاصل في صوتك مقارنة مع سماعك أنت لنفسك. فعندما أدرّب الناس في ورش عمل في الشركات الكبرى، اطلب من المشاركين البحث عن شريك والتدرّب معه على طريقتين مختلفتين في الكلام: أولاً، اطلب منهما أن يتعارفا بصوتيهما “الطبيعيين”، ثم اطلب منهما أخذ بضعة أنفاس عميقة وأن يتعارفا من جديد باستعمال طريقة التنفس العميق المذكورة أعلاه. لا يلاحظ المشاركون دوماً الفرق في صوتهم الذاتي، لكنهم غالباً ما ينتبهون إليه لدى شريكهم، الذي يبدو صوته أغنى وأكثر امتلاءاً؛ وينمّ عن ثقة أكبر. وبوسعك فعل الشيء ذاته في مكتبك مع أحد زملائك أو بإمكانك أن تسجّل صوتك على هاتفك الذكي. وقد جرّبت هذه التقنية بالإنكليزية والمندرين الصينية وغيرهما من اللغات، وكنّا جميعاً قادرين على ملاحظة الفرق.

ما هي الوتيرة التي يجب أن تتنفّس بها؟

لى الأقل، أنت يجب أن تتنفّس في نهاية كل جملة. فإذا كنت مضطراً إلى الإسراع في إلقاء خطابك أو تقديم عرضك، فإنك يجب أن تتدرّب على التنفّس عند كل علامة ترقيم – فذلك سيجبرك على الإبطاء.

ما هي الوتيرة التي يجب أن تتنفّس بها “باستعمال هذه التقنية؟”

لست بحاجة إلى استعمالها طوال الوقت. وإنما تدرّب على استعمال هذه التقنية ببطء، وخاصّة عندما تكون لوحدك في المنزل أو المكتب، حتى تصبح قادراً على استعمالها بمنتهى السهولة. بعد ذلك، تعتبر الطائرات مكاناً عظيماً للتدرّب على التنفّس، تليها الاجتماعات أو المؤتمرات الهاتفية التي لا نهاية لها. حاول أن تتدرّب على بضعة عمليات تنفّس عميق في كل مرّة، ثم استرخي وتنفّس بصورة طبيعية. كذلك حاول أن تتدرّب لمدّة دقيقتين في الصباح على ترداد الجملة التالية: “مرحباً، أنا اسمي فلان (اذكر اسمك هنا)..” ومارس الزفير البطيء. مع مرور الوقت، بوسعك أن تتنفّس بسرعة وبشكل غير ملحوظ بين الجمل، وهذا الأمر سوف يُهدّئ أعصابك أيضاً قبل الأوضاع المُسببة للتوتّر مثل الخطابات أو المحادثات الصعبة.

ما أقوله هنا لا يعني أن تحاول التشبّه بشخص آخر؛ وإنما الأمر هنا مرتبط بمنح صوتك ما يستحقّه من غنى وامتلاء إضافيين في كلّ مرّة تتحدّث فيها على الملأ، بحيث تتطابق قوّة صوتك مع قوّة كلماتك. وإذا ما فعلت ذلك، فإن الناس سوف يُصغون إليك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "التنفس العميق ضروري من أجل إلقاء خطابات مُقنِعة"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
زهر.الليمون
Member
زهر.الليمون
11 شهور 26 أيام منذ

ألا يوجد رابط مقطع تاتشر قبل وبعد؟؟

wpDiscuz