يعدُّ كتاب دان ليون “مُزَعزَع Disrupted” في أغلبه جولة ممتعة في ثقافة الشركات الناشئة اعتماداً على خبرة عمل الكاتب في شركة التسويق الإلكتروني “هب سبوت” (Hubspot). وعلى الرغم من تصنّعه النظر للعالم الغريب لرفاق دربه من وجهة نظر عالم أنثروبولوجيا -فتراه يتساءل مثلاً: أين يكمن الابتكار في استخدام “قمع المبيعات” ’Sales Funnel‘ لتعقب تقدم الزبائن في عملية الشراء- إلَّا أنَّ تشريح ليون لعالم الشركات الناشئة يطغي عليه الطرفة الدافئة أكثر من السخرية الباردة.

هناك أجزاء في الكتاب سترسل بالتأكيد القشعريرة في جسد أي مستخدم للإنترنت، مثل قصته عن مقالة في مدونة كُتبت خصيصاً لتوليد المبيعات على حساب أي شيء آخر حتى ولو كان ذاك على حساب المحتوى الذكي. أو حديثه عن مسوقي البريد الإلكتروني الذين يُؤتمتون عملية إزعاج الآخرين فيرسلون رسالة بعد أخرى إلى أي شخص كان غبياً بما يكفي لإظهار بعض الاهتمام بمنتجاتهم. وهناك أيضاً القصة التي يرويها عن مدراء تنفيذيين يحثّون موظفيهم على استخدام حساباتهم الخاصة في تويتر لنشر تغريدات كتبتها لهم شركاتهم على أمل توجيه الزوار إلى صفحة معينة على الإنترنت.

لكن أياً من هذه القصص المخيفة لا يحملُ مفاجأة كبيرة، فقد قضيتُ عشرين عاماً في القطاع التقني –نصفها في التسويق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي- كنتُ فيها جزءاً من هذه القصص، ولهذا السبب بالضبط أعتقد أنَّ ليون محق بتشهيره بهذا النوع من الممارسات.

بالفعل يبدو اليوم أي دليل لإرشادات التسويق مشابهاً كثيرا للوصف الذي قدّمه ليون في كتابه. ففي عالم الأعمال بين الشركات يعتبر توليد المبيعات أساس كل شيء: جعلُ الناس يعطونك عنوان بريدهم الإلكتروني وأرقام هواتفهم بحيث تتمكن من إزعاجهم والتسويق إلكترونياً لهم حتى يخضعوا لك، و’الخضوع” هنا يعني جعلهم يشترون منتجك فعلاً. أما في عالم الأعمال بين الشركات والمستهلكين فالأساس هو المبيعات وولاء الزبائن: عليك ليس فقط جعل العملاء يضغطون ويشترون بل جعلهم يتحمسون ويتشوقون لمنتجاتك بحيث لا يفكرون أبداً بشراء منتج آخر من منافسيك.
بالنسبة لكلا عالمَي الأعمال، يعدُّ التسويق الرقمي بشكل عام والتسويق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص عنصران جوهريان في اللعبة. الخطوة 1: اصنع الكثير من المحتوى لجذب المزيد من المشاهدات لصفحاتك. الخطوة 2: دع الناس يرون المحتوى بتمشيط وسائل التواصل الاجتماعي غارساً فيها إشارات وإعلانات وروابط تقود إلى محتواك. الخطوة 3: أقنع الناس بالحصول على المزيد من المحتوى في المستقبل بجعلهم يعجبون بك أو يتابعونك أو/و يعطونك عنوان بريدهم الإلكتروني.

إنُّه بلا شك نموذج عمل رائع إن نظرنا إليه من وجهة نظر الشركات. فبدل الدفع للإعلانات المطبوعة والإعلانات التلفزيونية والعيش على أمل إيجاد رابط بين الإنفاق الإعلاني ونتائج المبيعات، يمكنك الدفع لمحتوى أقل تكلفة على الإنترنت وتعقب تأثيره على المبيعات نقرة بنقرة. ليس هذا فحسب، فمع كل التنكيل الذي تعرضت له ميزانيات الإعلانات والتي تسببت بأزمة في صناعة الإعلام، تضعفُ المنافسة التي تواجهك من صحفيين حقيقين يوماً بعد يوم ويصبح تحويل نظر الناس إلى محتواك المتواضع الجودة أسهل. وكما يشير لذلك ليون، يمكن لشباب غير محترفين ورخيصي الأجر صنع هذا المحتوى المتواضع.

أما من وجهة نظر شخصية، فهذا نمط مقرف. فمقابل كل رسالة بريد إلكتروني تتحرق شوقاً لاستلامها لديك على الأغلب عشرات الرسائل المتكدّسة في صندوق بريدك الإلكتروني تقبع غير مقروءة. وكي تصل للمنشورات التي شاركها معك في فيسبوك إنسان تعرفه شخصياً، عليك النبش في أكوام من المنشورات التي دفع أحد ما كي تُعرض هناك (وهي مشكلة في طريقها للتفاقم أكثر مع إعطاء فيسبوك مباركته للمحتوى الموسوم الخاص بالعلامات التجارية في الصفحات الموثوقة.) ناهيك عن تلك العناوين المغرية التي تتشكل منها الآن تقريباً كل صفحات المحتوى في الإنترنت–هي عناوين دفع أحد ما لنشرها وتقود على الأرجح دوماً إلى شيء أقل قيمة مما ورد في العنوان- والتي لن ينجيك منها إلا أن ترتدي نظارة تحجب الرؤية المحيطية عندما تقرأ مقالات الإنترنت.

نحن نضيُّع على أنفسنا فرصة استثنائية عندما نجعل الإنترنت مكانا سيئاً للمستخدمين الأفراد. الإنترنت منصة المحتوى الأكثر ثورية في آخر ألف عام، منصة لا يمكنها فقط دعم المشاركة الواسعة للأفكار والمعرفة بل أيضاً دعم ما يجري من حوارات آنية حول المحتوى. إنها الوسيط الذي جعل صوت الناس العاديين مسموعاً وتعهد بتحريرنا من شركات الإعلام المُسيّرةِ باهتمامات النخبة. إنها الوسيط الذي وفَّر للفنانين المبدعين والمفكرين المستقلين منصة لأعمالهم وأفكارهم ومكنّهم حتى من إيجاد طريقة لإعالة أنفسهم بينما يعملون عليها. إنها الوسيط الذي أفسح حقاً المجال للانتشار السريع لأنماط التطوير الاقتصادي المبتكر وابتكارات الطاقة المستدامة واستراتيجيات تعبئة الجماهير التي لطالما تركّزت جميعها في السابق في الأمام والمنتصف في الإنترنت الاجتماعي، لكنها تُدفع بقوة نحو الحواف الآن.

يُعبِّر ليون عن الأمر تعبيراً جميلاً بالقول “لقد سَرَقَ الإنترنت، أحد أجمل وأعرق الاختراعات على مرّ الأزمان، ولوثه بالإعلانات وحوله إلى وسيلة لبيع الأشياء.” والأسواء من هذا أننا نستخدمه لصنع إعلانات تبدو شبيهة جداً بالمحتوى لدرجة أننا قريباً سنفقد القدرة على تفريقهما عن بعضهما. علينا النظر للشركات التي تساهم في هذا الانحطاط بنشرها المكثف دون هوادة للمحتوى الرديء مثلما ننظر لرسائل البريد الإلكتروني التي تعلن عن خصومات على الفياغرا.

السؤال المطروح الآن هو: كيف يمكننا استرداد الإنترنت من هذا الانحطاط؟ يتطلب الأمر مزيجاً من الابتكار من الشركات والمسؤولية من الأفراد.

تعالوا نبدأ من الشركات. ما نواجهه اليوم هو مشكلة كلاسيكية أبطالها المنتفعون بالمجان: الجميع سيتضررون إن أصبح الإنترنت جُحراً لمسابقات الأسئلة عن المشاهير ومقالات التباهي بالذات، لكن أي شركة لا تريد تحمُّل تكلفة القيام بالتصرف الصحيح في عالمٍ تَجتذبُ فيه العديد من الأعمال عيون المستخدمين بضخ محتوى رديء. نعم، بعض الشركات قادرة على النجاح بإنتاج محتوى عالي الجودة، لكن الكثير غيرها حقق نجاحاً أكبر، أو على الأقل نجاحاً أقل تكلفة، بإنتاج التفاهات. وهكذا انتهى الأمر بنا في سباق إلى القعر، المنتصر فيه من يضخ أعلى عدد من التغريدات ورسائل البريد الإلكتروني والمنشورات.

كم سيكون الأمر رائعاً لو هبَّ أحد ما لانتشالنا مما نحن فيه باختراع نمط تسويقي جديد عجيب يوضح العائد على الاستثمار في خلق محتوى رائع بحق حتى لو كلّف صنعه أكثر، ويظهر فائدة النهج المتحفظ في استخدام البريد الإلكتروني حتى لو تولدت عنه مبيعات أقل. لكن معظم الأعمال التي تنتج محتوى رائعاً هي إما مؤسسات إعلامية تقليدية تتمسك بالرمق الأخير من حياتها (وتتساءل إلى متى يا ترى ستكون قادرة على الإبقاء عليها) أو شركات إعلام جديد تُراكم القيمة السوقية بإظهار أنَّ لديها الكثير من المستخدمين حتى لو لم يحققوا لها في الواقع أرباحاً حقيقية. ومن الآن إلى أن يأتي ذاك اليوم الذي يظهر فيه نمط “المحتوى الرائع” التسويقي –هذا إن ظهر- سنكون قد اعتدنا على المحتوى الرديء والمنشورات المُستعمرَة في وسائل التواصل الاجتماعي وصناديق البريد المكتظة بالرسائل لدرجة أننا سننسى حينها شكل المحتوى المتقن الصنع.

لذلك، وفي الوقت الراهن، علينا تسليط الضوء على الممارسات التسويقية الجيدة في عالم المسؤولية الاجتماعية للشركة (CSR). أكثر الشركات احتراماً في عالم المسؤولية الاجتماعية للشركات هي تلك التي تتبنَّى “الأساس الثلاثي” في المسؤولية الذي يأخذ في الاعتبار التكاليف البيئية والاجتماعية لقرارات الشركات إلى جانب تأثيرها المالي. يجب أن تكون صحة الإنترنت جزءاً من المعادلة أيضاً. علينا النظر إلى الشركات التي تلوث الإنترنت كنظرتنا للشركات التي تلوث موارد الهواء والماء: كعدو للصحة العامة.

لكن هذا لن يحدث طالما أننا، نحن مستخدمو الإنترنت، شركاء في الجريمة. في كل مرة تضغط فيها على أحد تلك العناوين المضللة فأنت شريك في الجريمة. وفي كل مرة تعطي العنوان الحقيقي لبريدك الإلكتروني كي تتمكن من تحميل كتاب إلكتروني مثير للجدل فأنت شريك في الجريمة. وفي كل مرة ترد فيها على أحد رسائل البريد الإلكتروني التي تمنحك فرصة تجريب منتج ما أو تطالبك بوضع رابط إلى أحد المواقع على الإنترنت أو تدعوك لحضور ندوة إلكترونية تحصل فيها على رؤى طازجة جديدة فأنت أيضاً شريك في الجريمة.

قد يكون هناك حفنة من الشركات التي تنتج عن طيب نية محضة كميات ضخمة من المحتوى وترسل رسائل البريد الإلكتروني بالجملة، إلَّا أننا نحتاج لإيقاف هذه الممارسات حتى نتمكن فعلاً من خلق التغيير. على هذا، عليك بالتشكي–من خلال النشر في سلسلة التعليقات في تويتر أو أي مكان آخر يسبب لهم الإحراج- عندما تستميلك شركة إلى موقعها الإلكتروني من خلال إعلان مخفي في نص مقالة في مدونة. وعليك إعطاء المسوقين عنواناً زائفاً لبريد الإلكتروني أو عنوانا تستخدمه مرة واحدة عندما يحاولون لوي ذراعك لتزويدهم بعنوان بريدك. وعليك إغلاق الصفحة والعثور على طريق عودتك دون ترك أثر وراءك عندما تجد نفسك في مواجهة زر “اشترِ” وصلت إليه من خلال إعلان أُقحم في سلسلة منشوراتك في فيسبوك.

والأهم من كل هذا هو أن تهيِّء نفسك لتقبِّل فكرة أنك قد تضطر للدفع مقابل المحتوى. فأنّا لنا أن نشتكي مما يفعله المسوّقون من حشو للإنترنت بالمحتوى الرديء في الوقت الذي ينتاب أغلبنا الرعب إن وضعَ منتجٌ لمحتوى عالي الجودة حاجزاً للدفع يحول بيننا وبين رؤية المحتوى. علينا استيعاب أن المحتوى العالي الجودة يكلِّف مالا كثيراً وسيكون علينا الدفع لذلك المحتوى إما بشكل مباشر، أو غير مباشر في شكل “محتوىً موسوم” سيأتينا متخفياً أكثر مما قبل (اقرأ: محتوى دفع شخص ما لوضعه) أو إعلاناتٍ متطفلة أو احتكار لصناعة النشر من قِبل مسوقين همهم الأول والأخير المبيعات وليس الصحافة.

نستطيع بعيوننا وبالدولارات المخصصة لمحتوانا خلق التأثير المطلوب دون الحاجة لثورة شاملة. كل ما نحتاجه هو أن يختار المزيد من الناس المحتوى العالي الجودة على حساب النصوص التسويقية، أو التملص من قمع المبيعات المؤتمت الذي وصفه ليون وذلك لجعل خلق محتوى أذكى مجدٍ اقتصادياً للمسوقين ولوقف الهجمة الشرسة في مختلف منصات الإنترنت. مع تصويت عدد أكبر من الزبائن بنقراتهم والضغط بعيداً عن الكتب الإلكترونية ذات الوصول المشروط لصالح محتوى مسبق الدفع، سيضطر المسوقون لإعادة تقييم استراتيجيات الحد الأدنى من الجودة التي يقوم عليها دليل إرشادات التسويق الرقمي اليوم.

سيتدارك المسوقون الأذكياء تلك الاستراتيجية بتوجيه سؤال واحد بدءاً من الآن: كيف يمكن لجهودنا التسويقية جعل الإنترنت أفضل بَدَلَ جعله أسوأ؟ هناك نقطة بداية جيدة يمكن الانطلاق منها تكون بابتكار محتوى يوفر قيمة حقيقية من حيث المعلومات أو الرؤى-مقارنة بمجرد حشوٍ للصفحة بكلمات مفتاحية صديقة لمحرك البحث. الأمر نفسه ينطبق على توفير المحتوى دون قيد أو شرط بوضع حد لتلك النوافذ المنبثقة الكثيرة الانتشار والتي تطالب المستخدم بعنوان بريده الإلكتروني قبل إعطائه المحتوى الذي وُعِد به. بالإضافة إلي أدوار أخرى على قدر كبير من الأهمية، ولو أنها أقل وضوحاً، تتمثل ببحث المسوقين الرقميين عن صناع المحتوى المستقلين والتكفل بهم؛ ودعم الاهتمامات العامة الهادفة وحملات المناصرة؛ واستخدام الشركات لمنصاتها في مواقع التواصل الاجتماعي للترويج للمنشورات المثيرة للاهتمام والعميقة بدل الاكتفاء بإعادة نشر مدائح عملائهم؛ وإعارة صوتهم (ودولاراتهم) وتوجيهها لحماية القيم الأساسية للإنترنت، مثل حياد الإنترنت مثلاً.

قد لا تكون هذه هي أفضل الاستراتيجيات للتأثير الفوري على مؤشرات القياس الأساسية (KPI) كالحركة المرورية للإنترنت أو نمو عدد المتابعين أو توليد المبيعات التي يُطالَب المسوقون الرقميون بالاهتمام بها، لكن تأثيرها قد يكون كبيراً على مؤشر قياس أساسي آخر يحتاج المسوقون الرقميون للاهتمام به أكثر من غيرهم: صحة الإنترنت نفسه على المدى البعيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!