تابعنا على لينكد إن

يُعتبر تطبيق علم الاقتصاد السلوكي في مجال السياسات العامّة من خلال إنشاء وحدات متخصّصة للترغيب (Nudge)، واحداً من الابتكارات الحديثة التي تسهم في إحداث تحوّل في طريقة تصميم الحكومات للسياسات وفي أسلوب عملها وتقديمها للخدمات. يعتمد هذا المفهوم على إجراء تجارب في مجال السياسات، واستعمال أدواتٍ مُسندةً للبراهين، مثل تجارب الضبط العشوائية (Randomized Control Trials RCTs) . وقد أصبحت هذه الوحدات، في الوقت ذاته، بمثابة نماذج قويّة عن ريادة الأعمال الاجتماعية، وعن الشراكات في عملية صنع السياسات مع الأوساط الأكاديمية والمؤسسات ذات الأهداف الاجتماعية التي انضمّت إلى المركب.

فما هو الترغيب (Nudges)؟ الترغيب، كما يشير الاسم، هو عبارة عن عمليات صغيرة ذات تكلفة محدودة وفعالية كبيرة، من نمط هندسة الاختيار (Choice Architecture)، يهدف إلى تغيير سلوكيات الناس دون أن يحدّ جذرياً من خياراتهم . وأحد أشهر الأمثلة المعروفة عن عمليات الترغيب، هو استعمال آلية الوضع التلقائي (Automatic Default)، أي مسارات مسبقة التحديد، تطبق ما لم يتخذ الشخص المعني قراراً آخر بشأنها، على سبيل المثال، لزيادة نسبة انخراط الموظفين في برامج الادخار المخصص للتقاعد . وتشمل قائمة عمليات الترغيب الشائعة والفعّالة الأخرى تبسيط الاستمارات لتسهيل استخدامها، واستعمال الرسائل التذكيرية لتسريع سداد رسوم المخالفات التي تفرضها المحاكم، وإبراز الأطعمة الصحية بشكل واضح في المتاجر لتعزيز مبيعاتها، واستعمال المعايير والمقارنات الاجتماعية لتخفيف مستويات استهلاك الأسر للمياه.

المفهوم الذي وصل أخيراً إلى الشرق الأوسط: قطر تبدأ رسمياً ودول خليجية وعربية أخرى تستعد

وعلى هذا النحو، لا تُعتبرُ عمليات الترغيب قانوناً أو تشريعاً صارماً وقاسياً، ولا حافزاً أو دعماً مالياً مكلفاً. بل هي طريقة أخرى للتأثير في سلوك الناس. فهي يمكن أن تكون بمثابة بديل، ولكنّها في غالب الأحيان تأتي كخيار مكمّل للتشريعات والأنظمة والحوافز.

تستند نظرية الاقتصاد الكلاسيكية بمنطلقاتها إلى المعتقد الأساسي بأنّ البشر عقلانيون بطبعهم، ويعتمدون في خياراتهم على معتقدات غير متحيّزة. لكنّ هذه المنطلقات تعرّضت في الآونة الأخيرة إلى هجوم شديد، في حين جرى الكشف عن عيوبها بأساليب لا تخلو من الحدّة: فالبشر عاطفيون وغير عقلانيين ويؤمنون بمعتقدات متحيّزة، ويُظهرون الثقة المفرطة، ويحاولون تجنّب الخسارة، ويُبْدُون الاستجابات العاطفية، والتشبّث بالرأي.

وقد أسهمت بشكل بارز بعض الكتب الأكثر مبيعاً، مثل كتاب “Nudge” من تأليف ثايلير  وسانستين، وكتاب “Thinking Fast and Slow” (التفكير بسرعة وببطء) من تأليف كاينمان، على سبيل المثال لا الحصر، في زيادة التشكيك بعقلانية البشر، وشكّلت العمود الفقري الفكري لانتشار ظاهرة الترغيب والدراسات السلوكية والموجة الأولى من وحدات الترغيب فضلاً عن مراكز الأبحاث السلوكية حول العالم.

نشأة وحدات الترغيب

حتى تاريخ كتابة المقال، هنالك ما يقارب 15 وحدة حكومية مؤسسية متفرغة، تعمل حالياً في أنحاء العالم، مع وجود خطط لافتتاح المزيد في الفترة المقبلة.  وتتألف هذه الوحدات عادة من الخبراء في مجال السياسات العامة والاقتصاد وعلم السلوك والنفس، وتحتل العديد منها مستوى رفيع للغاية  في  في الهياكل الحكومية، بما في ذلك مكاتب الرؤساء ورؤساء الوزراء، والمجالس العليا.

لقد تضاعف عدد هذه الوحدات بأكثر من أربع مرات خلال السنوات الثلاثة الماضية. ولا يأخذ هذا العدد بعين الاعتبار الكثير من الفرق الحكومية  التي قامت بتطبيق العلوم السلوكية او بإجراء تجارب الضبط العشوائية في سياسات محددة. 

ولعلّ إنشاء “فريق الدراسات السلوكية”، (Behavioural Insights Team (BIT)) سنة 2010 والذي يعرف أيضاً باسم “وحدة الترغيب” (Nudge Unit) في المملكة المتّحدة، أوّل وأنجح مبادرة حتى تاريخ اليوم تقوم بتطبّيق نتائج الدراسات السلوكية على مجالات عديدة من السياسات العامّة. وقد كان صعودها وارتقائها إلى مكانتها البارزة ظاهرة ملفتة للانتباه. فقد بدأ هذا الفريق عمله على شكل وحدة موجودة ضمن مكتب رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، وهي مملوكة حالياً من قبل الحكومة البريطانية والجمعية الأهلية المعنية بالابتكار (Nesta) والموظفين العاملين داخل فريق الدراسات السلوكية. وتتمثّل أهدافها في إعادة صياغة الخدمات الحكومية بطريقة مبتكرة، من خلال جعلها أكثر فعالية وأقل تكلفة بالإضافة إلى تسهيل استخدامها من قبل المواطنين، وتمكينهم من “اتخاذ قرارات أفضل” لصالحهم الشخصي.

وقد توسّع فريق الدراسات السلوكية رسمياً ليصل إلى أستراليا، وسنغافورة، والولايات المتّحدة الأمريكية، لكنّ مفهوم “الترغيب” في السياسات العامّة آخذ بالانتشار السريع إلى مناطق جغرافية أوسع، وبالتأكيد في مجالات متعدّدة في حقل السياسات العامّة مثل التغيّر المناخي، والصحّة، والمالية، وحماية المستهلك، والتعليم، والمرافق الخدمية.

ففي إحدى التجارب التي تهدف إلى تسريع عملية تحصيل الضرائب ، قامت إدارة الإيرادات والضرائب في المملكة المتّحدة  بالاشتراك مع فريق الدراسات السلوكية  بتوجيه خطابات مكتوبة  ذات نفحة سلوكية، تشمل رسائل إلى مجموعة من دافعي الضرائب، تبلغهم بأنّ الغالبية العظمى من الأشخاص المقيمين في منطقتهم قد بادروا إلى تسديد ما يترتّب عليهم من ضرائب. وقد أسهم إدراج هذه الرسالة المتعلقة بالأعراف الاجتماعية في الخطابات المرسلة إلى المكلفين في رفع المبالغ الضريبية المحصلة إلى 210 ملايين جنيه استرليني خلال السنة المالية 2012/2013.

وفي تجربة أخرى كانت تهدف إلى تحسين التزام المرضى بمواعيدهم في المستشفيات في إنكلترا، عمد فريق الدراسات السلوكية إلى إعادة صياغة المضمون الأساسي لرسائل التذكير بالمواعيد التي تُرسل إلى المرضى، حيث أبلغتهم في هذه الرسائل بحجم الخسارة التي يتكبّدها نظام الصحة الوطنية في المملكة المتّحدة نتيجة عدم التزامهم بالمواعيد. ونتيجة لذلك، تراجعت نسبة المواعيد التي لا يلتزم المرضى بها بمقدار 25%.

وفي شهر فبراير/شباط 2014 أنشأ الرئيس باراك أوباما فريقه الخاص المتخصّص بالعلوم الاجتماعية والسلوكية في البيت الأبيض، بهدف “ترغيب” الناس على اتخاذ قرارات أفضل. وقد نجح هذا الفريق  عبر اختباراته السلوكية في تبسيط الإجراءات الإدارية والاستمارات، والتقليل من الأعباء التشريعية والتنظيمية.

وفي إحدى التجارب، أرسل الفريق رسائل إلى المزارعين غرضها  تقديم معلومات مبسّطة حول أحد برامج القروض الصغيرة، وتحسين آلية الحصول على هذه القروض، بحيث كانت هذه المعلومات تساعد هؤلاء المزارعين على اتخاذ خطوات عمليّة ملموسة. وقد أسهمت هذه الرسائل المبسطة في حصول زيادة بمقدار 22% في نسبة المزارعين الذين تقدموا وحصلوا على القروض الصغيرة.

وفي تجربة مشتركة أخرى بين الفريق المتخصّص بالعلوم الاجتماعية والسلوكية ووزارة الخدمات العامّة، أسهم وضع حقل التوقيع في أعلى الاستمارة الإلكترونية، عوضاً عن مكانه المعتاد في الأسفل، في تحسين دقّة أرقام المبيعات التي يتم التصريح عنها ذاتياً من قبل من يملؤون هذه الاستمارات، كما أدّت إلى زيادة الرسوم المُحصّلة من الحكومة بمقدار 1.59 مليون دولار خلال فصل واحد.

الترغيب في الشرق الأوسط

حتى عهدٍ قريب، ظلّ الشرق الأوسط بمنأى عن هذه التطوّرات، لكنّ إنشاء وحدة معنية بدارسة وتطوير السلوك المؤسسي في دولة قطر في شهر أغسطس/ آب 2016، بوصفها أوّل مؤسّسة متخصّصة من نوعها في الشرق الأوسط، يَعِد بحصول تغيّر في المشهد. وتركّز هذه الوحدة، التي تعمل ضمن إطار اللجنة العليا للمشاريع والإرث، على مجموعة من المجالات تشمل التغذية السليمة والتمارين البدنية، والصحة والتعليم، وسوق العمل، والبيئة والتفاعل المجتمعي وغيرها.

تواجه المنطقة في العديد من السياسات تحديات ذات مكوّن سلوكي، يمكن إذا ما عولجت، أن تقود إلى زيادة الإنتاجية، وتحسين المحصلات التعليمية، بل وحتى إنقاذ حياة الناس. فإذا ما استفادت الحكومات من نتائج العلوم السلوكية والحلول البسيطة ذات التكلفة المنخفضة والفعالية العالية فإنها قد تكون قادرة على تحفيز سكانها على إبداء قدر أكبر من الامتثال للقواعد والأنظمة، وسداد فواتير المرافق الخدمية كالمياه والكهرباء والهاتف بوتيرة أسرع، والالتزام بشكل أفضل بالمواعيد الطبية، وزيادة الادخار، واتباع عادات غذائية وأساليب حياة أكثر صحية، وممارسة المزيد من الأنشطة الرياضية…

لقد تبنّت وحدة قطر للتوجيه السلوكي جدول أعمال طموح في مجال اختبار السياسات، وتوسيع عملية تبنّي نتائج دراسة السلوك المؤسسي في المنطقة، من خلال أداء الوحدة لدورها كمركز للتميّز إضافة إلى إنشاء منصات للتعاون مع الوحدات الأخرى المشابهة على مستوى العالم، ومع الهيئات الأكاديمية، وكذلك مع المجتمع المدني والقطاع الخاص.

وتخطّط دول أخرى في المنطقة لإنشاء وحدات وفرق مشابهة ضمن سياقات متنوعة، منها ما هو حكومي وما هو غير حكومي. فف لبنان قمنا بتجربة ضبط عشوائية مؤخراً في مجال حثَ الناس على دفع فواتير الكهرباء بشكل أسرع وكانت نتائجها واعدة أظهرت أهمية التوجيه السلوكي سواء على صعيد إحداث آثار كبيرة بتكلفة بسيطة او على صعيد نقل هذه التجربة إلى مجالات عديدة اخرى كحماية البيئة وزيادة العائدات المالية للدولة وغيرها.

الخطوات التالية

يدل انتشار الوحدات والمؤسسات المتخصصة بدراسات السلوك و”الترغيب” وكذلك تزايد أعداد التجارب المنفّذة خلال السنوات القليلة الماضية، أنه بإمكان تغييرات صغيرة وغير مكلفة في العمليات والآليات الحكومية أن تترك أثراً كبيراً. وسيؤدي ذلك  إلى تغيير واضح في طريقة صياغة السياسات في أنحاء العالم، وبالتحديد لجهة عدم الاعتماد على حدس السياسيين بل على اختبار السياسات وذلك باستعمال تجارب الضبط العشوائية وغيرها من الأدوات السلوكية.

من المرجح أن تتعزز الإنجازات التي تحققت مؤخراً في مجال تطبيق نتائج الأبحاث السلوكية على السياسات العامة مع ملاحظة وجود توجهات داعمة جديدة.

من أبرز هذه التوجهات تشجيع الحكومات لوزاراتها ومؤسساتها على تبنّي نتائج الأبحاث السلوكية على نطاق واسع في سياساتها، بهدف تحسين الخدمات ووضع المواطن في صلب اهتماماتها. ونتيجة لذلك، فإن تطبيق الدراسات السلوكية وتجارب الضبط العشوائية يتنامى خارج الوحدات المتخصصة بهذا النوع من الدراسات، وذلك من قبل عاملين في وزارات ومؤسسات وجهات حكومية وبلديات في عدد من الدول تشمل على سبيل المثال فرنسا، وإيطاليا، والدنمارك، والمجر، والبرتغال، وإسبانيا.

وبالتوازي مع ذلك، ثمّة تنامٍ في أعداد المراكز المتخصّصة بالدراسات السلوكية وتحديداً ضمن الجامعات، وبوتيرة عالية خلال السنوات القليلة الماضية. ويمكن هنا تسمية عدد من هذه المبادرات مثل مركز التنبؤ بالظواهر قبل وقوعها (Center for Advanced Hindsight) في جامعة ديوك،  ومركز كاينمان تريزمان للعلوم السلوكية والسياسات العامّة في جامعة برينستون، ومجموعة الدراسات السلوكية في جامعة هارفارد وغيرها. ويجري العديد من هذه المراكز تجارب ميدانية على التحدّيات التي تواجهها السياسات على أرض الواقع، بالتعاون الوثيق مع الإدارات الحكومية وغير الحكومية.

وبرز تزايد في عدد برامج الدراسات العليا في مجال الاقتصاد السلوكي والمجالات المرتبطة به، وهناك دلائل قويّة على بروز علم الاقتصاد السلوكي كحقل اختصاص قائم بذاته. ويُعتبرُ الشرق الأوسط من الوافدين الجدد إلى هذا المجال، ولازلنا ننتظر لنرى أي الجامعات ستتولى الريادة في توفير هذا النوع من الدراسات لتسمح لطلابها بالاطلاع الضروري والمطلوب على التحدّيات التي تواجهها السياسات على أرض الواقع قبل الولوج إلى سوق العمل.

كذلك أقرت مؤخراً المنظمّات التنمويّة الدوليّة، وبالأخص تلك المعنيّة بتقديم المساعدات، بأهمية الدراسات السلوكية بوصفها عنصراً أساسيّاً قيّماً في مجال وضع السياسات. وقد أنشأ بعض هذه المنظمات وحدات معنيّة بتطبيق الدراسات السلوكية، مثل البنك الدولي، في حين تلجأ منظمات أخرى إلى دمج نتائج هذه الدراسات ضمن برامجها الإنسانية وفي إطار المساعدات التقنية التي تقدّمها.

ثمّة ملاحظة أخيرة، وإن كانت لا تتّصل بالسياسات العامة، بل تتعلّق بالتطبيق الجديد لنتائج الدراسات السلوكية في أوساط القطاع الخاص، وتحديداً ظهور فئة جديدة من المختّصين، ولاسيما مسؤولو السلوك وعلماؤه أو فرق الدراسات السلوكية. في الحقيقة، لجأت بعض أشهر الشركات والمؤسسات المرموقة في العالم إلى الإعلان عن وظائف شاغرة وملأتها لمتخصصين في مجال العلوم السلوكية، مثل بنك أوف أميركا، وفيسبوك، وغوغل، وبنك إتش إس بي سي، وأليانز. ورغم أنّ هذا الأمر ليس شائعاً بعد في الشرق الأوسط، إلا أنّ هذا الوضع قد يتغيّر قريباً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل-

شاركنا رأيك وتجربتك

2 تعليقات على "“الترغيب” وعلم الاقتصاد السلوكي لصنع القرار"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
trackback

[…] إلى التجربة البريطانية التي تعد التجربة الحكومية الأولى لاستخدام الاقتصاد […]

trackback

[…] إلى التجربة البريطانية التي تعد التجربة الحكومية الأولى لاستخدام الاقتصاد […]

wpDiscuz