تابعنا على لينكد إن

باتت ممارسة الوعي والانتباه إلى الذات تلحق بسرعة بممارسة اليوغا لتصبح البقرة الحلوب والصناعة التي تدرّ للعاملين بها أكثر من مليار دولار. وبالتالي، فمن غير المفاجئ أن نشهد نتيجة لذلك تنامياً أيضاً في شعبية ممارسة التأمل بين صفوف الرؤساء والمدراء التنفيذيين، بوصفه واحداً من الطرق المتبعة لممارسة الوعي والانتباه إلى الذات. لماذا نجد هذا الاهتمام بممارسة التأمل بين أوساط القادة في قطاع الأعمال، عوضاً عن اهتمامهم، على سبيل المثال، بالتدليك والمساج أو لعبة كرة الطاولة؟ يعود السبب في ذلك إلى أنّ التأمل، يفيد الرؤساء التنفيذيين أكثر من الترويح عن النفس أو الاسترخاء في ما لو مورست هذه الأنشطة لوحدها.

تشير الأبحاث التي جرت على موضوع ممارسة الوعي والانتباه إلى الذات إلى أنّ التأمل يصقل المهارات المختلفة مثل مهارات الانتباه، والذاكرة، والذكاء العاطفي. وقد تحدثت إلى عدد من المدراء التنفيذيين بخصوص تجاربهم مع التأمل، ورأيت مراراً وتكراراً كيف أنّ ملاحظاتهم المتعلقة بالتأمل في مكان العمل كانت مطابقة لنتائج الأبحاث الأكاديمية.

التأمل يزيد من المرونة لدى الإنسان

أظهرت دراسات بحثية متعددة بأن التأمل يمكن أن يسهم في التقليل من القلق، وهذا الأمر يمكن أن يعزز المرونة في مواجهة الظروف الصعبة، كما يمكن أن يحسن أداء المرء عندما يكون معرضاً للضغوط. وهذا بالضبط ما اكتشفته آلاك فاسا، مؤسسة شركة إيليمنتس تروفلز، والتي بدأت بممارسة التأمل عندما كانت تعمل متداولة في مصرف غولدمان ساكس وفي آي تي جي. وهي تقول أنّ التأمل ساعدها في تهدئة مخاوفها والتقليل من حالة الذعر الموجودة لديها، حتى عندما كانت معرضة للضغوط. “في إحدى المرات حصل هبوط حاد في الأسواق ودب الذعر في المكتب في أوساط زملائنا المتداولين. وقد كان مكتب المتداولين في حالة من الاضطراب المنظم. ولكن بفضل ممارستي للتأمل، تمكنت من الاحتفاظ بتماسكي ومن اقتراح الحلول للتخفيف من آثار الانهيار الحاصل في السوق”.

أما جوناثان تانغ، مؤسس شركة فاسترام للأزياء ورئيسها التنفيذي، أدخل ممارسة التأمل إلى موظفي شركته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في أميركا. “في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كان الموظفون في شركتي في حالة واضحة من الاضطراب والتشتت. وقررت الاستعانة بمدرب في مجال التأمل لكي يساعد الموظفين على الجلوس صامتين لمدة 20 دقيقة. وسرعان ما امتلأت الغرفة بالناس بما أنهم كانوا بحاجة حقاً إلى متنفس للسلام. وعندما انتهت الجلسة، كان الناس الذين لم يسبق لهم أبداً أن مارسوا التأمل قد غمرهم إحساس بالهدوء. وساعدهم ذلك في أن يصبحوا أكثر حضوراً في العمل، بل وامتد معهم هذا الأمر إلى المنزل حيث أصبحوا أكثر حضوراً في حضرة عائلاتهم”.

التأمل يعزز الذكاء العاطفي

تشير الأبحاث التي أجريت على الدماغ باستخدام تقنيات التصوير المغناطيسي بأن التأمل يمكن أن يساعد في تعزيز قدرتنا على تنظيم عواطفنا.

تقول آرتشانا باتشيراجان، رائدة الأعمال الناجحة والرئيسة التنفيذية والمؤسسة لشركة ساتفا، بأنها وخلال السنوات الأولى لها في موقع القيادة كانت تريد للأشياء أن تحصل وفق طريقتها، وضمن الإطار الزمني الذي كانت تريده. “لم أكن أفهم ما الذي يمر به فريقي. كنت فقط أشعر بالغضب إذا لم يؤدي أعضاء الفريق ما هو مطلوب منهم وكما أتوقعه أنا.” وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأبحاث التي تظهر أثر الغضب على الصحة القلبية الوعائية، فمن الضروري بالنسبة للقادة أن يكونوا قادرين على التحكم بغضبهم، وأن يضعوا أنفسهم موضع الآخرين. تقول آرتشانا: “بفضل التأمل، تمكّنت من أن أصبح شخصاً يتحلى بالصبر. وباتت علاقتي مع فريقي أفضل. والأهم من ذلك كله، أنني بتّ قادرة على المحافظة على راحة بالي”.

يثمّن الدكتور جيمس دوتي، الاختصاصي في الجراحة العصبية في كلية الطب في جامعة ستانفورد، أيضاً التأمل بسبب قدرته على تطوير الذكاء العاطفي. وكان أحد الزملاء قد طور جهازاً طبياً يُعتبر من أهم ما توصل إليه العلم في هذا المجال، لكن الشركة التي أنشأها لتطوير الجهاز وبيعه عانت من مصاعب كثيرة وكانت على وشك الإفلاس. وقد أصبح دوتي، الذي كان مستثمراً في ما مضى، الرئيس التنفيذي للشركة. وفي أحد الاجتماعات مع المساهمين الحيويين، غير الراضين تماماً عن مسار الأمور، واجه دوتي أحد المستثمرين الغاضبين وغير المنطقيين. وقال دوتي بأنّ الفضل يعود إلى ممارسته للوعي والانتباه إلى الذات، والذي ساعده في التجاوب بشيء من التعاطف مع ذلك المستثمر: “لقد توقفت لوهلة ثم أخذت نفساً عميقاً وبطيئاً لعدة مرات، وهذا الأمر لم يقدني عملياً للإصغاء إلى حالته وفهمه فحسب، بل ساعدني أيضاً في الانتباه إلى ما أراده وتوقعه. وبما أنّ رد فعل دوتي لم يكن عاطفياً، فإنّ ذلك لم يجعل هذا المساهم يتحول إلى داعم لجهود دوتي فقط، بل حوله إلى حليف وقف إلى جانبه ليسهم في نجاح الشركة التي انتهى بها المطاف إلى الإدراج في البورصة علماً بأنّ قيمتها قد وصلت إلى 1.3 مليار دولار”.

التأمل يعزز الإبداع

تشير الأبحاث المتعلقة بالإبداع إلى أننا نطرح أعظم أفكارنا ونحقق أكبر اختراقاتنا عندما نكون في حالة ذهنية أكثر استرخاء وتأملاً. فهذه هي اللحظات التي تجعلنا نطلق الكلمة الشهيرة “وجدتها”. والسبب الأرجح لذلك هو أنّ التأمل يشجع على التفكير المتشعب (أي طرح أكبر عدد من الحلول الممكنة لمشكلة معينة)، وهذا مكون أساسي للإبداع.

يشير تشارلي كلايزنر إلى فضل التأمل الذي ساعده في التوصل إلى أفكار ومشاريع جديدة لم تكن لتخطر له على بال لولا التأمل. “لقد أسهمت في تأسيس شبكة إمباكت ويعود الفضل في ذلك بنسبة 100 في المئة إلى ممارستي للتأمل”.

التأمل يحسن علاقاتك بالآخرين

في الوقت الذي يضيّق التوتر منظورك ومنظور فريقك إلى الأمور، ويقلل من درجة التعاطف مع الآخرين، ما يؤثّر سلباً على الأداء، فإنّ التأمّل يمكن أن يسهم في تحسين مزاجك، وفي زيادة إحساسك بالتآلف مع الآخرين، وحتى يمكن أن يجعلك شخصاً ألطف وأكثر رأفة بغيرك.

يعتقد تشيراغ باتل، الرئيس التنفيذي لشركة أمييل للمستحضرات الدوائية والحاصل على جائزة رائد أعمال العام 2011 من إرنست ويونغ بأنّ الفضل يعود إلى التأمل الذي ساعده على الشعور بقدر أكبر من الألفة مع زبائنه. “في الشركة، أنت تبدأ بالتآلف مع زبائنك كما لو أنهم أفراد أسرتك، عوضاً عن مجرد النظر إلى الأمر بوصفه صفقة تجارية فقط.” والأمر ذاته ينطبق على علاقاته مع زملائه وموظفيه.

التأمل يساعدك على التركيز.

لقد أظهرت الأبحاث بأنّ عقولنا لديها نزعة نحو الشرود في 50 في المئة من الأوقات تقريباً. أضف إلى ذلك في مكان العمل الأحداث والأشخاص الذين يقطعون عملك، والرسائل النصية، والاتصالات الهاتفية، والرسائل الإلكترونية التي تردك، ولن يكون مفاجئاً بأن يجد الموظفون صعوبة في المحافظة على تركيزهم. لكن الدراسات تظهر بأنّ التدريب على التأمل يمكن أن يساعد في التقليل من جنوحنا نحو التشتت، حيث أنه يعزز قدرتنا على المحافظة على تركيزنا بل يقوي ذاكرتنا أيضاً.

يعزو بيتر كوبير، مؤسس شركة كوبير إنفيستورز للاستثمار، قدرته على الاستثمار بحكمة إلى ممارسته للتأمل. “يحتاج المستثمر بحكم طبيعته إلى التمحيص في كميات كبيرة من المعلومات وإلى اخترالها إلى مجموعة صغيرة فقط من الآراء ذات الصلة. وقد ساعدني التأمل على تجاهل المعلومات الملفتة ولكن غير الضرورية والتركيز على الأشياء القليلة التي تُعتبر هامة بالنسبة للأداء الاستثماري على المدى البعيد”.

المهم في الأمر هو أنّ التأمل ليس مجرد “شيء إضافي يمكنك فعله”. فإذا كنت تعتقد أنّ جدول أعمالك مزدحم بما يكفي من المهام ولست بحاجة إلى شيء إضافي، إليك هذه النصيحة التي تقدمها آريانا هافينغتون: “على الرغم من أنني كنت أعرف فوائد التأمل منذ أن كنت في سن المراهقة، إلا أنّ إيجاد الوقت لممارسته كان دائماً أمراً ينطوي على الكثير من التحدي بالنسبة لي، لأنه كان لدي انطباع بأنني مضطرة إلى فعل التأمل. ولم أكن امتلك الوقت من أجل فعل شيء آخر يلقي على كاهلي عبئاً إضافياً. لحسن الحظ، كان أحد أصدقائي قد قال لي يوماً أننا لا نمارس التأمل كفعل، بل التأمّل هو الذي يفعل فعله فينا. وقد فتح ذلك الباب على مصراعيه في وجهي. فالشيء الوحيد الذي تفعله في التأمل هو أنك لا تفعل شيئاً”.

ولكن كما تظهر الأبحاث والتجارب على حد سواء، فإنّ عدم فعل أي شيء يمكن في أحيان كثيرة أن يقود إلى تحقيق نتائج فعلية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz