كل ما نقوم به تقريباً نُنجزه بالتعاون مع أشخاص آخرين في مجموعات العمل، إذ لا يمكن إنجاز العمل من قبل شخص وحده كائناً من كان، حيث تُوكل إلينا مهام التخطيط وإنجاز المشاريع رفقة أعضاء الفريق. ونحن نتفاوض على الأدوار والموارد. ونتحدّث مع بعضنا البعض أو نرسل الرسائل النصية أو التغريدات أو الرسائل الإلكترونية. كما أننا نعتمد على أشخاص فوقنا وحولنا ودوننا، لتحقيق نجاحنا الجماعي، ونحن مدينون لهم لأنهم الجزء المهم في نجاحنا. ومع مرور الوقت، تُصبح لدينا عادات هي ما يحدّد الطريقة التي نتصرّف بها مع بعضنا البعض. فإذا ما جمعنا كل هذه العناصر معاً نحصل على تعريف للفريق: وهو عبارة عن مجموعة من الناس الذين يتبنّون هدفاً مشتركاً وغرضاً واحداً، والذين يتولّون أدواراً ومسؤوليات مختلفة، والذين يلتزمون بقواعد معينة للتعامل في ما بينهم. ونرى الفرق منتشرة في جميع أنحاء مكان العمل. لكن المؤسف في الأمر هو أنّ معظم هذه الفرق لا تتصف بقدر هائل من الفعالية أو لا يعتبر العمل فيها ممتعاً جداً. فكيف بوسعنا تحسين هذه الفرق؟، وكيف يمكننا جعل الفريق جزءاً من العمل يُدخل السعادة إلى حياتنا، عوضاً من أن يُسهم في تحويلها إلى جحيم؟

نحتاج إلى بذل المزيد من الاهتمام لنعطي هذه الفرق أهميتها الحقيقية في عالم العمل. فنجد في معظم المؤسسات أنّ الفرق لا تقدّر حق قدرها. على سبيل المثال، صحيح أنّ العديد من الشركات تبدي إعجابها بالسلوكيات التي تدعم العمل بروح الفريق ضمن أنظمة إدارة الأداء، لكن من الشائع تماماً عدم رؤية أي ربط لهذا الأمر بأنظمة المكافآت والتعويضات. وهذا يعزز المفهوم القائل أننا لسنا مضطرين إلى الاهتمام بالفرق أو العمل الجماعي وروح الفريق (إذاً، لماذا نفعل ذلك ونحن لا نحصل على أي مكافأة في المقابل؟). لكن ما يحصل في نهاية المطاف، وفي أحسن الأحوال، هو تعرّض الفريق لحالة من التدمير التدريجي نتيجة لغياب الدعم. أما في أسوأ الأحوال، يشعر الناس سواء أعضاء الفريق أو قادته بالحرية في ممارسة سلوكيات سيئة تقود إلى حالة من الاختلال الوظيفي، وإلى نتائج تقل عن التوقعات بكثير، وإلى حالة من البؤس بين صفوف أعضاء الفريق. ولا يحتاج تدمير هكذا فريق إلى جهد كبير أصلاً، فالعديد منّا سبق له أن فعل ذلك أصلاً.

لكنّ المفارقة تكمن بأنّ مساعدة فرقنا على أن تكون أكثر فعالية تقتضي منا معرفة الأمور التي “لا يجب” أن نفعلها مع الفريق، قبل الانتقال إلى الأمور التي “يجب فعلها”. وبالتالي، دعونا نراجع بعض الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الكثيرون بمن فيهم الأشخاص الطيبون عندما يعملون مع الآخرين:

1– ينسون ذكاءهم العاطفي ويتركون اللوزة الدماغية تسيطر على حديثهم

يتصرف هؤلاء الأشخاص بناء على مشاعرهم واندفاعاتهم، ولا يتوخون الحذر في ما يرسلونه من إشارات أو ما يقولونه من كلام، أو ما يبدر منهم من أفعال. ولا يسمحون للأمور المزعجة مثل القيود أو المعايير أو اللياقة الاجتماعية بأن تقف حجر عثرة في طريقهم. يشعرون بغضب سريع ويظلّون غاضبين عندما يحصل شخص ما على أشياء أكثر مما حصلوا هم عليه. ينظرون إلى الناس المختلفين عنهم بصورة نمطية. ويتفوهون بما يدور في أذهانهم ويعتذرون عن سلوكياتهم عبر إخبار الناس بأنهم صادقون وشفافون، وعلى الرغم من ذلك ربما يكون صحيحاً، لكنهم بذلك أيضاً يكونون لئيمين، وإذا فعلوا ذلك مع مرؤوسيهم، فإنّ ذلك يكون ضرباً من التنمر.

المؤسف في الأمر، هو أنه وفي ضوء التوتر الذي يتعرض له الناس في مكان العمل اليوم، فإنّ الكثير من الناس يتمشّون حولنا وهم خاضعون لتأثيرات اللوزة الدماغية وليس وفقاً لما يمليه عليهم ذكاؤهم العاطفي.

2 يظلّ سلاحهم مشهراً

إنهم يطلقون عبارات مريعة، كأن يقول الواحد منهم: “إما أن تنفذوا ما هو مطلوب كما أراه أنا وإلا فلتغادروا الفريق”. وهناك فكرة أخرى مشابهة. إذا كنتم تريدون أن تدمروا فريقاً، كونوا صارمين، وذوي نظرة أحادية إلى الأمور، واسعوا إلى تحقيق أهدافكم فقط كما ترونها وبالطريقة التي تريدونها أنتم فقط.

3– يرون النصف الفارغ من الكأس

إذا أردتم العبث بعقول الناس، وقتل روح الفريق والعمل الجماعي، ركّزوا على كل الأخطاء التي تحصل. دعوا الناس يعيشون في حالة من الرعب. حاولوا إظهار حس السخرية لديكم. فالمشاعر معدية: والمشاعر السلبية وحس السخرية اللاذعة هي أمور تقضي على الثقة والإبداع والحماسة والسعادة، وهذه أمور في غاية الأهمية بالنسبة للنجاح الجماعي.

4– لا يهتمون فعلياً لحال الناس الآخرين

عملت مرة مع مدير تنفيذي كان من أبرع الناس في تدمير فرقه وعائلته. وكان معرضاً لخطر فقدان أهم جائزة يمكن أن يحصل عليها إنسان في مكان العمل، ألا وهي منصب الرئيس التنفيذي الذي وُعد به نتيجة للنتائج التي حققها. لكن قادة الشركة ولحسن الحظ كانوا قد اكتشفوا أمره، فهو حقق النتائج التي حققها على حساب كل شخص وكل فريق عمل معه. وبطبيعة الحال، فإنّ هذه النتائج لم تكن مستدامة. وعندما سألته لماذا فعل ذلك، قال لي وبكل صراحة: “أنا لا يهمني أمر هؤلاء الناس”. فقلت له: “أحقاً تعني ما تقول؟”. لقد كان لدى هذا الشخص إحساس عميق كامن تحت كل هذا الشعور بعدم التعاطف. ويتلخص هذا الإحساس بأنّ أهدافه وأسلوبه في إنجاز هذه الأهداف أكثر أهمية من أي شيء آخر.

5– لا يفكّرون كثيراً – وخاصة بدوافعهم ومشاعرهم

يُعتبر غياب الوعي بالذات سواء كان يتم بطريقة واعية أم غير واعية، وإلى حد كبير هو السبب الأساسي لكل السلوكيات السيئة التي رأيتها موجودة ضمن الفرق. ولنأخذ على سبيل المثال حالة المدير التنفيذي الذي ذكرته قبل قليل. عندما حاولنا سبر جذور مشكلته في العمق، اكتشفنا أنّ السبب الذي دفعه إلى تدمير الجميع هو شعوره بالخوف. لذلك كان يحاول التمكّن من زملائه في مكان العمل قبل أن يتمكّنوا منه. أما في المنزل، فقد كان يخاف من الحميمية. نعم، هو كان يحب زوجته وأبناءه. لكنه لم يكن مستعداً للحميمية الحقيقية، لذلك نأى بنفسه عنهم.

يعمل الكثيرون منا ضمن مجموعات تعاني من خلل وظيفي، فهي فرق تتسبب لنا بالألم وتصيبنا بحالة من عدم السعادة الشديدة. والناس غير السعداء يعتبروا موظفين غير منتجين وهذا في الحد الأدنى. كما أنّ الناس غير السعداء في العمل هم أشخاص غير سعداء في المنزل أيضاً، وهذا يجعل عائلتهم غير سعيدة أيضاً، وهكذا دواليك. لكننا كبشر قادرون على أن نتوصل إلى حلول لهذه الحالة، ويتعين علينا إيجاد هذه الحلول.

يحتاج العمل بفعالية ضمن أي فريق إلى بذل الجهد، كما أنّه يتطلب ذكاء عاطفياً. فإذا كنت تريد لفريقك أن يكون في حالة صحية، وأن يعمل بفعالية، يتعين عليك أن تتحمل مسؤولية الطريقة التي تظهر بها أمامهم ومسؤولية الأشياء التي تفعلها.

تُظهر الدراسات التي أجراها فانيسا دروسكات وستيفن وولف بأنّ الذكاء العاطفي أمر أساسي للغاية لفعالية الفريق. كما تُظهر أيضاً، بأنه عندما يستعمل عدد أكبر من أعضاء الفريق ذكاءهم العاطفي، فإنّ ذلك الفريق سيكون أقدر على تطوير آليات تدعم الثقة، وتُعطي هوية واضحة للفريق، وتمنحه إحساساً بالكفاءة الجماعية. وهذه هي المعايير والآليات التي تدعم النجاح الجماعي القابل للديمومة.

وبحثت دراسات أخرى العلاقة بين الذكاء العاطفي وعملية إدارة النزاع ضمن الفريق، ولم يكن مفاجئاً أن يثبت وجود علاقة بين الاثنين. على سبيل المثال، قام آيوكو وزملاؤه باستكشاف العلاقة ما بين الذكاء العاطفي والمناخ العام والنزاع. واكتشفوا أنّ هناك قدراً أكبر من النزاع يحيط بالمهام والعلاقات عندما تكون معايير التعاطف، ومهارات إدارة العواطف، وإدارة النزاع أقل تطوّراً بين أعضاء الفريق والقادة، الأمر الذي يترك أثره على المناخ، وبالتالي على النتائج والمحصلات. وعرض كل من جوردون وتروث نتائج مشابهة عندما درسا العلاقة بين الذكاء العاطفي وحل المشاكل وحل النزاعات ضمن الفرق.

يحتاج النجاح في العمل ضمن أي فريق إلى ذكاء عاطفي مرتفع. وإذا كنت تريد أن تطوّر وعيك بذاتك، ناهيك عن الكفاءات الأخرى مثل التعاطف مع الآخرين وإدارة الذات، فإنك بحاجة إلى التعمق بشكل أكبر. والسبب في ذلك هو أنّ تحسين ذكائك العاطفي يرتبط بالنمو الشخصي أكثر بكثير من ارتباطه بالتطور المهني.

أخيراً، يمكنا القول أنّ المدير التنفيذي الذي سبق وتحدثنا عنه في المقال، عمل بشكل جاد على تطوير ذكائه العاطفي، وخاصة وعيه بذاته، وتعاطفه مع الآخرين، وإدارته لذاته. وحصل على الوظيفة. وحاول أن يطبّق ما تعلّمه عن نفسه وتأثير ذلك على الآخرين. وبدأ يرى زوجته وأطفاله فعلياً، للمرة الأولى ربما منذ أعوام. استغرق الأمر بعض الوقت، لكنهم عادوا ليكونوا قريبين من بعضهم مجدداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!