"لم يعد الاعتناء بالنفس رفاهية، إنما هو جزء من العمل". هذا ملخص حصلت عليه من أحد كبار المسؤولين بعدما قضيت السنوات الماضية أعمل عن كثب مع القادة من أجل إدخال الاعتناء بالنفس في حياتهم ضمن بيئة العمل باعتبارها عنصراً رئيسياً من مجمل أدائهم، بحيث لا يكون زيادة مهامهم أو مسؤولياتهم على حساب صحتهم أو رفاههم. فما هو إذا الاعتناء بالنفس، وكيف نمارسه؟

تعريف أوسع للاعتناء بالنفس

أصل الاعتناء بالنفس هو علاقتك وصلتك بنفسك. فإذا نظرت له كجزء من عملك يعني أنك متوائم ومتفهم لما تحتاجه نفسك كي تكون بناءة وفعّالة وأصيلة. لهذا، وبدل حصر الاعتناء بالنفس في المفهوم الضيق للصحة الجسدية (مع أنها بلا شك جزء مهم في المعادلة)، نحتاج إلى الانتباه لمجموعة أوسع من المعايير، بما فيها الاعتناء بالعقل والعواطف والعلاقات والبيئة والوقت والموارد.

استبعد من قاموسك كلمة "يجب"

ربما يبدو الاعتناء بالنفس أمراً مرهقاً وغير قابل للتحقيق. لكن القصد منه ليس إضافة المزيد على ما يشغلك أصلاً أو خلق سبب لجعلك تقسو على نفسك. على سبيل المثال، قد تمتعض عندما يقترح أحدهم عليك أن تعتني بنفسك أكثر، خاصة عندما يبدو جلياً لك أنه لا يستوعب مدى انشغالك. لكن منشأ الاعتناء بالنفس لا يجب أن يكون حكم الآخرين علينا أو رد فعل على ما يصدر عنهم (كلا الأمران تعذيب للنفس، كما سأصف الأمر لاحقاً). ويجب أن ينبع الاعتناء بالنفس عن نية الشخص بالبقاء على تواصل مع ذاته ومع مجمل رسالته كإنسان. فمن وما الذي يمكنه دعمي ويكون في خدمة مساهمتي الإيجابية التي أنوي القيام بها؟

تفعيل الاعتناء بالنفس في عملك اليومي

بدل التعامل مع الاعتناء بالنفس على أنه شيء تقوم به خارج العمل، من المهم إدخاله بصورة عفوية ضمن مسار يوم عملك. وإليك هنا ست طرق وجدت أنها تساعد على اتخاذ تدابير نافعة لإدخال الاعتناء بالنفس داخل بيئة العمل. وبما أنّ الاعتناء بالنفس هو أمر شخصي إلى حد كبير، أسرد هنا أفكاراً تساعدك على البدء بالتطبيق بدل وضعها في قائمة مرهقة:

1- لا تقس على نفسك

ربما نكون نحن أكثر المنتقدين لأنفسنا. فعندما ينشط مفعول المساءلة والمثالية اسأل نفسك: "ما الذي كنت ستقوله لزميل أو صديق إذا وجدته في نفس الموقف؟"، حيث أظهر بحث أجرته البروفسورة في كلية هارفارد للأعمال إيمي إدموندسون أننا نبلغ أعلى ما يمكن من الأداء والتعلم ضمن المجموعات عندما تكون المساءلة والأمان النفسي حاضرين معاً. هذه المبادئ نفسها تنطبق عليك كفرد أيضاً. بإبقائك على الناقد الداخلي في داخلك تحت السيطرة، فأنت تخلق الشروط النفسية المناسبة لتسريع خروجك من فترات المراجعة الذاتية أو التشكيك بالنفس.

2- اعطِ المال والوقت والموارد حق قدرها.

طوال اليوم يطالب آخرون بالحصول على وقتنا أو مواردنا وهو ما يشتت انتباهنا عن الأولويات الأكثر أهمية. لهذا مهم أن يكون أول شيء تفعله صباح كل يوم هو تخصيص 15 دقيقة لتدوّن الأشياء الثلاثة المهمة التي تأمل فعلها. لاحقاً وبينما تنهال عليك الطلبات، فكر في تأثيرها على أولوياتك قبل إطلاق موافقة  تلقائية وغير محسوبة. أما بالنسبة لمن لديهم عملهم الخاص، فالأمر نفسه ينطبق على من يطلبون منك تحديد أتعابك وخدماتك. فالاعتناء بالنفس يعني احترام القيمة والأثر والمساهمة التي تجلبها.

3- احتفل بإنجازاتك

ماذا فعلت الأسبوع الماضي؟، أغلبنا لا يتذكر، لأنه حالما نستكمل تسليم شيء كان مطلوباً منّا أو ننهي مشروعاً صعباً نتحول سريعاً إلى ما يليه. لذلك عليك عوضاً عن ذلك التوقف أنت وفريقك للحظة من أجل النظر في الشهر أو الفصل الماضي، ومن ثم تسمية أو كتابة ما جرى بشكل جيد أو ما منحكم شعوراً بالرضا دون عن غيره. ويمكن لهذا النوع من الاستخلاص مساعدتك وفريقك للبقاء على تواصل مع شغفكم وأهم مساهماتكم وأفعالكم التي تضفي قيمة حقيقية.

4- أحط نفسك بأناس جيدين

تُعتبر العلاقات الصحية والداعمة جزءاً حيوياً من الاعتناء بالنفس. فكر في ما إذا كان فريقك يوفر دعماً وتسليحاً كافيين لأولوياتك. واعرف من يغذي طاقتك ومن يستنزفها. ثم ضع حواجز تبعدك عن المستنزفين. واستثمر في أولئك الذين يلهمونك ويدعموك ومن يفهمون ما يعنيه الأخذ والعطاء. الأمر نفسه ينطبق على العلاقات خارج العمل. فلا تدع العمل يتسبب في إهمال أهم الأشخاص في حياتك. وخذ فاصلاً خلال اليوم أو ربما في فترة تنقلاتك للاتصال بالأصدقاء والأحباب، ولا تنسى تخصيص وقت كاف خارج العمل لتقوية هذه العلاقات.

5- حدّث مساحة عملك

ربما يكون لبيئة ومكان عملنا أثر كبير على إنتاجيتنا. لهذا اكسب المزيد من الصفاء بتنظيف مكتبك. وضع صوراً أو لوحات فنية أو صوراً تلهمك أو تذكرك بأشخاص وأشياء تهمك. فيجب أن يكون مكان عملك انعكاساً عن نفسك في أفضل أحوالها.

6- جدد حيويتك ونشاطك

يجب مراقبة مستويات الطاقة لديك. حيث أنه للأسف، يرى معظم المهنيين المنشغلين الحصول على ثمان ساعات من النوم كل ليلة أمراً غير معقول. لكن هذا مهم جداً لتزويدك على الأقل بما تحتاجه من الطاقة خلال الأسبوع ، لذا خصص يوم الثلاثاء أو الأربعاء مثلاً لتحصل عل قسط إضافي من النوم. ولا يقل أهمية عن ذلك تخصيص فترات للاستراحة خلال يوم عملك. مثلاً، حاول إدراج المزيد من الاجتماعات التي تجريها مشياً أو اعرض على أحد زملائك أو أصدقائك تناول الغداء معك بعيداً عن المكتب. وإذا كنت مسافراً بغرض العمل ووجدت 30 دقيقة إضافية قبل الصعود إلى الطائرة، توقف في أحد منصات التدليك من أجل الاسترخاء وتجديد طاقتك قبل الرحلة.

انتبه عندما تخرج من وضع الاعتناء بالنفس

في الأوقات العصيبة ينحرف الاعتناء بالنفس عن ما هو مرسوم له. لذلك انتبه، بنظرة فيها تعاطف مع النفس، لهذه الحالات التي تفقد فيها صلتك مع نفسك الحقيقية:

إهمال النفس: مع تراكم أعباء العمل الملحة وانشغالك فوق طاقتك بالعمل، يصبح إهمال النفس أمراً طبيعياً بالنسبة للكثيرين. فيبدو الأمر كما لو كنا نراوح في مكاننا. ومع تزايد مشاعر الاضطراب والإرهاق من أعباء العمل، تزداد صعوبة الحفاظ على العزيمة وقول لا للمهام العاجلة والمقاطعات ومطالب الآخرين، فلا يكاد ينتهي يومنا إلّا ونشعر أنّ قوتنا قد خارت.

إدارة النفس: الحفاظ على صورة تنافسية واحترافية مهارة قيادية مهمة، لكننا نبالغ في الأمر أحياناً. فعندما تبالغ في إدارة نفسك، تمنع أو تكبح مشاعرك في محاولة منك للحفاظ على صورة مهنية، فينتهي الأمر بك تحت سيطرة مشاعر الإنهاك وعدم القدرة على المتابعة، وتعرّض نفسك بذلك لخطر أن يُنظر إليك على أنك شخص مزيف.

تخريب النفس: أحياناً يكون سبب عدم تمكننا من إنجاز مهمتنا أو أكبر أولوياتنا عائداً إلى وقوفنا نحن أنفسنا عائقاً في طريق أنفسنا. لذلك، عليك التنبه عندما تنجرّ في عادات غير منتجة من التسويف أو المراجعة أو التشتت كي تتجنب القلق أو الخوف من عدم إتمام أهم مهامك.

الحفاظ على النفس: في عالمنا التنافسي، من السهل الاستسلام لعقلية الندرة. فعندما ينصب تركيزنا على ما نفتقده من موارد نفقد تواصلنا مع ما هو أفضل بالنسبة لأعمالنا. وربما تتسبب مبالغتك في التنافسية جعل الآخرين ينظرون إليك على أنك تحمي مساحتك ولا تهتم إلا بمصالحك.

في كل حالة من هذه الحالات، لا نعود نحن المتحكمين بالأمور، بل يكون مقود القيادة في يد القلق أو التحكم أو رفض الاعتراف بالضعف. فيجب الانتباه، فعندما تنجر وراء هذه الحالات حاول إلا تصدر الأحكام، بل ابحث بتأن عن أحد نشاطات الاعتناء بالنفس لترجع إلى نفسك بشكل أقوى من ذي قبل.

بما أنّ حياتنا العملية تزداد انشغالاً يوماً بعد يوم، يصبح الاعتناء بالنفس جزءاً مهماً من كونك شخصاً أصيلاً وامتلاكك تأثيراً إيجابياً دون التضحية بصحتك أو علاقاتك. وذلك، بإدخال الاعتناء بالنفس في حياتنا اليومية ضمن بيئة العمل، والعودة إليها في أوقات التوتر، كما يمكننا جميعنا جعل أنفسنا أكثر إيجابية وفعالية وأصالة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!