ربما يكون استعراضاً لأدائك، أو “تقرير ملاحظات شامل” عنك، أو نصيحة لم تطلبها من زميل. ربما كانت توبيخاً من عميل غاضب، أو لقباً يدعوك به فريقك من ورائك. أياً كان السبب، إنهم مخطئون وغير عادلون لأنهم لا يعرفون حقاً ما تفعله فضلاً عن أنّ ملاحظاتهم غير مفيدة أيضاً.

يمكن أن يكون تلقي ملاحظات خاطئة مؤلماً ويسبب الانعزال وحتى الغضب. لكن ماذا عليك أن تفعل عندما يحدث معك هذا؟

في البداية، عليك عدم فعل أي شيء! لا تقل إنك موافق أو غير موافق على ما قيل، على الأقل في البداية. ليس الأمر بهذه السهولة، لكن عليك إعطاء نفسك بعض الوقت لتفهم بشكل أفضل تلك الملاحظات قبل تقبلها أو رفضها.

لنأخذ منيرة (اسم المستعار) المديرة الإبداعية المميزة في مجال الإعلام الرقمي، والتي مضى على استلامها وظفيتها الجديدة 3 أشهر. قال لها الرئيس التنفيذي معاتباً ذات يوم: “أريدك أن تكوني أكثر إبداعاً”.

تصارعت الأفكار في رأس منيرة والتي كانت تعبّر عن غضبها الشديد مما يجري: “أنا المديرة الإبداعية لهذه الشركة. مسماي الوظيفي (إبداعية)! ما يقوله يعاكس أي ملاحظة تلقيتها في حياتي المهنية بأكملها. إذا كنت لا تعرف الإبداعية، لا تلمني. أنا أكثر شخص مبدع قد تراه على الإطلاق”.

ابتسمت منيرة ظاهرياً أمام المدير بهدوء، شكرت رئيسها ومضت لتفتش في هاتفها عن رقم هاتف وكيل توظيف.

كانت ردة فعل منيرة طبيعية، إذ أنه خلال تحديدك إن كنت ستقبل ما قيل لك أو سترفضه، ستفتش تلقائياً عن الخطأ في هذه الملاحظة: من أعطاها لك والسبب ومتى وأين وكيف تم إعطاؤها. لا تُعتبر هذه الطريقة صحيحة أو ناجحة وذلك لوجود مشكلتين أساسيتين فيها، الأولى، هي أنك ستتمكن دائماً من العثور على شيء خاطئ مع ما يقدم إليك، والثانية، أنك ستتجاهلها بسرعة كبيرة وذلك قبل حتى أن تفهم فعلياً ما يحاول مقدم تلك الملاحظات قوله لك.

يتوجب عليك النظر إلى ما هو أعمق من مجرد العبارات المقدمة لك. تكون معظم الملاحظات في العادة مصاغة بطريقة غامضة وفضفاضة على غرار: “تحتاج إلى التطور”، أو “أظهر المزيد من القيادة”، أو “فكر بشكل استراتيجي”، أو “زد الإبداع”. ستفهم تلك العبارات وفقاً لما تعنيه لك أنت، وستفترض أنّ الأمر هو ذاته لمن قدمها، إلا أنّ الحقيقة تكمن في أن تلك العبارات تمثل – في أحسن الأحوال – تقريبات فضفاضة لما يحاول مقدم تلك الملاحظات قوله.

تملك الملاحظات التي نتلقاها دائماً ماض خلفها: إذا نظرنا بشكل أوسع قليلاً، سنجد أنّ رئيس منيرة يحاول وصف مجموعة ملاحظات وأمثلة وتوقعات لما كان أو ينبغي عليها القيام به، أو ربما فرصاً شعر أنها غابت عنها وأثّرت على إبداعها. كما تملك الملاحظات أيضاً مستقبلاً: لا بدّ أنّ الرئيس التنفيذي يملك بعض الطرق المحددة التي يرغب في أن تراها منيرة بشكل مختلف. بالتالي، وقبل أن تقرر منيرة إن كان ما تلقته خاطئاً أو صائباً، عليها فهم سبب تلك الملاحظات في المقام الأول. عليها طرح أسئلة على غرار:

عندما تقول “إبداعياً”، هل يمكنك أن توضح ما تعنيه أكثر؟

هل يمكنك أن تكون أكثر تحديداً حول فترات معينة أو حالات لم أكن فيها مبدعة؟

هل يمكن أن تعطيني أمثلة عن “الإبداعية” كما تراها؟ ما الذي تقترحه على وجه التحديد؟

بعد أن أخذت منيرة بضعة أنفاس عميقة أمام مرآة الحمام، وألقت على نفسها حديثاً تحفيزياً، عادت إلى مديرها لتطرح عليه بعض الأسئلة. علمت أنّ مديرها لم يكن يشير إلى عملائها مطلقاً، بل كان يريد منها إعادة التفكير في كيفية إدارتها لاجتماعاتها مع فريقها. لاحظ مديرها أنها تتحدث كثيراً في تلك الاجتماعات، وهو ما يترك وقتاً قليلاً لبعض أعضاء أفراد الفريق الأكثر هدوءاً، إنما الأشد موهبة، للحديث. كانت لديه أفكار جيدة بشكل مدهش حول كيفية جعل بعض الأشخاص الصامتين في الغرفة يتحدثون أكثر، وكانت ملاحظاته أكثر قيمة مما ظنته هي في البداية.

من السهل انتقاد الرئيس التنفيذي لعدم وضوح ما يقصده، فهناك فرق شاسع بين ما عناه بكلمة “مبدعة” وبين ما يمكن لأي شخص أن يتصور معناها. لكن يجب معرفة أنّ أي تسمية تُستخدم بحاجة إلى بعض الاستكشاف لتوضيح مكامن القلق أو التوصيات. بالتالي افترض دائماً أنّ من يقدم ملاحظاته بحاجة إلى أن تطرح عليه بضعة أسئلة لكي يعبّر عما يعنيه. لذا، تتمثل الطريقة الأفضل لمساعدته، ومساعدتك أيضاً، بطرح أسئلة واضحة دون لهجة دفاعية.

تحقق من مكامن الغموض عبر طرح أسئلة مثل، “ما الخطأ؟” أو “ما الصواب؟”، قد تبدو الملاحظات أحياناً لنا “غير صائبة” فقط لأننا لا ندرك ما تعنيه نظراً لتطرقها إلى أمر غامض لدينا. اطلب فكرة أوضح عن الحلقة المفقودة، وإن لم تستطع، اسأل صديقاً.

لنأخذ جميل مثلاً (أيضاً اسم مستعار)، والذي تلقى ملاحظة تقول أنّ عليه “مراقبة مواقفه”. في عقل جميل، كان هذا منافياً للمنطق. كانت مواقفه واضحة وكان يعمل طوال الوقت ومخلصاً لعمله.

ذهب جميل إلى زميلة له لينفث عن غضبه والتي قدمت له دعماً سريعاً، حيث قالت “هذا جنون! لا أحد يعمل عدة ساعات في الأسبوع كما تفعل. أنت دائماً هنا”. قدمت ما طلبه جميل ضمنياً: دعم صديق من خلال المصادقة على ما رآه “خاطئاً” في الملاحظات الموجهة له.

يحصل مع معظمنا ذات الشيء، وها قد حصل جميل بدوره على التطمين الذي يريده. لكن إذا كنت ترغب في التحقق مما لم تفهمه، عليك طرح سؤال آخر: “هل هناك أي شيء قد يكون صحيحاً في تلك الملاحظات عني؟”.

عندما سأل جميل زميلته هذا السؤال، قالت بعد برهة، “أنت تعمل لساعات كثيرة، لكن في كل مرة يُطلب منك فيها البقاء حتى وقت متأخر، كنت تتنهد وتشكو. أنت فعلياً لا تقدم موقفاً جدياً من العمل”.

صحيح أنه سيكون هناك دائماً شيء خاطئ في الملاحظات التي نتلقاها، قد يصل إلى 90 في المئة منها، سيبقى هناك جزء متبق صائب فيها يمكنك أن تتعلم منه. يمكنك دائماً اللجوء إلى الأصدقاء والزملاء للمساعدة في رؤية 10 في المئة المتبقية، لكنهم لن يفعلوا ذلك إلا إذا طلبت منهم ذلك صراحة، وأظهرت لهم أنك لن تحزن أو تغضب إن قاموا بذلك.

لا يعني تلقيك الملاحظات بشكل جيد “قبولك” لها، بل يعني “فهمك” لما عنته. بمعنى آخر، سماعك لها، وفهمك لها وحديثك عنها وتأملك لها وتفكيرك بها ورؤيتك لوجود جزء منها “قد” يكون صائباً، ثم تقرير إن كنت ستتصرف تجاه تلك الملاحظات أم لا.

أياً كان قرارك، عُد لمن قدم لك تلك الملاحظات لتشاركه رأيك. إن لم تفعل ذلك، سيعتقد بأنك لم تستمع له أو لم تهتم بما قاله. سيعزز معرفتهم بأخذك ما قالوا على محمل الجد من علاقتك معهم حتى لو قررت في نهاية المطاف سلك طريق مختلف.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!