حتى لو كنت تعشق عملك، فمن الشائع أن تشعر بحالة من الإنهاك التام بين الفينة والأخرى. فلعلّك قد استكملت للتو العمل على مشروع كبير وتجد صعوبة في إيجاد الحافز الذي سيساعدك في العمل على المشروع التالي. أو ربما حياتك المهنية تأخذ من طاقتك في هذه المرحلة قدراً أكبر ممّا هو معتاد. أو ربما أنت تشعر بالملل وحسب. فما هي الطريقة الفضلى لتعيد شحن بطاريتك؟ هل بعض الطرق التي يستعملها المرء لتجديد نفسه أفضل من الطرق الأخرى؟ كيف تعلم ما إذا كان الإنهاك الذي تشعر به مجرّد إنهاك عادي أم شيئاً آخر، كأن يكون حالة مزمنة من عدم الرضى؟

ما الذي يقوله الخبراء؟

يُعتبر الإنهاك التام – وهو حالة التعب الذهني والبدني التي تشعر بها عندما تتجاوز المطالب التي يفرضها عليك عملك وبشكل دائم كمية الطاقة المتوفّرة لديك – يُعتبر “الجائحة المرضية لمكان العمل في العصر الحديث”. وفي هذا الصدد، يقول رون فريدمان، مؤسس شركة الاستشارات ايجنيتي 80 (ignite80)، ومؤلف كتاب “أفضل مكان للعمل: الفن والعلم اللذان يساعدان في خلق مكان عمل استثنائي”: “لا شكّ أبداً بأننا معرّضون اليوم لخطر أكبر بأن نصاب بالإنهاك التام في مكان العمل مقارنة مع ما كنّا عليه قبل 10 سنوات. ومردّ ذلك إلى حدّ كبير يعود إلى أننا محاطون بالأجهزة المُصمّمة للفت انتباهنا وجعل كل شيء يبدو وكأنّه ملحٌّ وعاجل.” أمّا هايدي غرانت هالفورسون، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي، ومؤلفة كتاب “لا أحد يفهمك وما الذي بوسعك فعله تجاه ذلك” فتتفق في الرأي مع فريدمان وتقول: “نواجه الكثير من الضغوط في هذه الدورة المستمرّة على مدار 24 ساعة يومياً وسبعة أيام في الأسبوع. وهي قد تقودك إلى الشعور باللامبالاة والتوتّر والاستنزاف، بحيث أنك تشعر بالإجهاد الكامل.” لذلك فهي تقترح إيجاد طرق “لملء خزان الوقود الشخصي”. وفيما يلي بعض الأفكار التي يمكن أن تساعدك في تحقيق ذلك:

خذ عدداً من الاستراحات خلال يوم العمل

تحصل حالة الإنهاك التام غالباً نتيجة “عدم فهم الناس لما هو مطلوب منهم لتحقيق ذروة الأداء في مكان العمل،” كما يقول فريدمان الذي يضيف: “نحن نميل إلى الاعتقاد أن تحقيق ذروة الأداء يتطلّب محاولة بذل جهد أكبر أو التفوّق على الآخرين في العمل، وهو أمر قد يقود إلى تحقيق النتائج على المدى القصير لكنه غير مُستدام نفسياً”. ولكي تقدّم أفضل أداء ممكن على المدى البعيد، فإنك بحاجة إلى “فرص دورية لإعادة شحن ذهنك بالطاقة،” يقول فريدمان. حاول أن تخرج في مشوار قصير لممارسة المشي أو الجري. تناول طعام الغداء بعيداً عن مكتبك. ويوجّه فريدمان نصائحه قائلاً: “الابتعاد عن الكمبيوتر يخرجك من بحر التفاصيل ويدفعك إلى إعادة النظر في الصورة الكبرى. وغالباً ما تتّضح الحلول وتخرج إلى حيّز الوجود خلال الفترات الزمنية الفاصلة بين التفكير الجدّي في مشكلة ما ومن ثم الابتعاد عن المكتب”. لكن استراحاتك يجب أن تأتي في الوقت الصحيح، حسبما تقول هالفورسون. فعندما تكون طاقتك في حدّها الأقصى – غالباً في الفترة الصباحية – يجب أن تركّز على العمل وعلى الوصول بإنتاجيتك إلى الحد الأقصى. تقول هالفورسون: “خلال تلك الأوقات، حاول أن تتعامل مع أصعب التحدّيات التي تواجهك.” بعد ذلك خذ استراحة بعيداً عن المكتب.

ضع أجهزتك الرقمية جانباً

قبل حقبة البلاكبيري، كان المعيار الطبيعي هو ترك العمل في المكتب. “لو كنت تريد أخذ جزء من عملك معك إلى المنزل، فإن ذلك كان يتطلّباً جهداً وتخطيطاً،” يقول فريدمان. لكن لم يعد هذا هو الحال. “فنحن جميعاً نحمل اليوم مكتباً متنقلاً في جيوبنا على شكل هاتف ذكي،” لذلك نظل متصلين مع عملنا نفسياً وجسدياً. ويكمن العلاج لذلك، في رأيه، في الحد من استعمال الأجهزة الرقمية في ساعات ما بعد الدوام. ضع هاتفك الذكي في سلّة أو في الدرج عندما تصل إلى المنزل بحيث لا تشعر بإغراء يدفعك إلى التقاط الجهاز لتفقد بريدك الإلكتروني؛ أو بوسعك وضع قاعدة خاصّة بك بحيث تطفئ الجهاز بعد الساعة الثامنة مساءً. تقول هالفورسون: “ابعدوا هواتفكم عنكم. فهما كان الأمر عاجلاً، بإمكانه الانتظار حتى الغد”.

افعل شيئاً مثيراً بالنسبة لك

عوضاً عن التركيز على الحدّ من العمل أو تحاشي العمل خارج أوقات الدوام الرسمي، ينصحك فريدمان “بالتخطيط للقيام بأنشطة تحبّها لتروّح عن نفسك”. فوضع خطط للعب التنس مع صديق أو طهي وجبة طعام مع الزوج أو الزوجة يجبرك على “التركيز على هدف تودّ تحقيقه – أي فعل شيء يدخل المتعة إلى قلبك – عوضاً عن التركيز على هدف ترغب في تحاشيه – مثل عدم تفقد البريد الإلكتروني،” كما يقول فريدمان الذي يضيف “الأبحاث تظهر أن التركيز على الأهداف التي يرغب المرء في تحقيقها أسهل وينطوي إنجازها على متعة أكبر مقارنة مع الأهداف التي يرغب المرء في تحاشيها. كما تشير الدراسات أيضاً إلى أن القيام بنشاط تعتبره مثيراً لك – حتى لو كان ذلك النشاط يحتاج إلى بذل جهد كبير – أفضل من مجرّد الاسترخاء. وبحسب هالفورسون، “من المهم جداً الانتباه إلى النشاطات التي تمارسونها في أوقات الراحة. بالتأكيد قد يكون من المغري أن يستلقي المرء على الكنبة في غرفة الجلوس وأن يأكل البوشار وهو يشاهد قناته التلفزيونية المفضّلة، لكن هالفورسون توصيك بالانخراط في نشاط يجعلك تشعر بقدر أكبر من التحدّي، مثل حلّ الكلمات المتقاطعة أو لعب الشطرنج. “فرغم أن هذا النشاط أصعب، إلا أن سيمنحكم طاقة أكبر”.

خذ إجازة نهاية أسبوع طويلة

قد يكون الشعور بالتعب الذهني والجسدي علامة على “أنك بحاجة إلى أخذ استراحة معيّنة،” كما تقول هالفورسون. ولا ينبغي أن تكون الاستراحة بالضرورة عطلة لأسبوعين؛ وإنما عندما يتعلّق الأمر بالتقليل من التوتر فإن هالفورسون تقول: “أنت تحصل على فائدة أكبر بكثير عندما تأخذ إجازة نهاية أسبوع طويلة لمدّة ثلاثة أو أربعة أيام”. ولكن عندما تكون بعيداً عن مكان العمل، لا تحاول الاتصال بالمكتب أو تفقّد البريد الإلكتروني. وهي تنصحك بترك كل ما له علاقة بالعمل والتخلي عنه وتقول: “كل واحد منّا أقل حيوية بقليل مما يرغب في الاعتقاد به”.

ركّز على المعنى والمغزى من عملك

إذا كانت مسؤولياتك الوظيفية تمنعك من أخذ عطلة فورية، فإن هالفورسون تقترح “التركيز على السبب الذي يجعل العمل مهمّاً بالنسبة لك”. فالربط بين المهمّة الحالية التي بين يديك وهدف شخصي أكبر – مثل القول بأن إتمام هذا المشروع سيساعدك في ضمان الترقية القادمة – سيساعدك في محاربة الإغراء الذي يشدّك نحو التراخي والكسل وسيقدّم لك “دفعة من الطاقة التي ستمدّك بما تحتاج إليه لإنجاز أعمالك خلال ذلك اليوم أو اليومين التاليين،” كما تقول هالفورسون. ولكن حذار، فذلك قد لا يمنحك إلا راحة مؤقتة. فإذا كنت مُنهكاً تماماً من العمل الشديد، فإنك بحاجة إلى التوقف لأخذ استراحة حقيقية.”

تأكّد من أنك في حالة إنهاك تام فعلاً ولست أمام شيء آخر

إذا لم تنفعك أي من هذه الاستراتيجيات، لعلّك تواجه أمراً أكثر خطورة. فإذا كنت مُتعباً ومُجهداً لكنك تشعر أنك تعمل بفعالية في المجمل، فإن الأمر لا يعدو كونه حالة إنهاك. “ولكن إذا شعرت أنك لا تحرز التقدّم المنشود وأن العمل الذي تؤدّيه لا يبدو مهمّاً بالنسبة لك،” فإنك أمام مشكلة مختلفة، بحسب هالفورسون. هل يعطيك مديرك ما تحتاج إليه لكي تقدّم أفضل أداء ممكن لديك؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فإنك بحاجة إلى منصب وظيفي مختلف ربما. هل طبيعة عملك هي بحد ذاتها المصدر الأساسي الذي يستنزف طاقتك؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنك قد تحتاج إلى إعادة النظر بحياتك المهنية بأكملها.

مبادئ يجب أن تتذكّروها دائماً

أشياء يجب أن تفعلوها
ضعوا حدوداً لاستعمالكم للأجهزة الرقمية خارج أوقات الدوام وساعات العمل
خذوا استراحات منتظمة ضمن يوم عملكم العادي
ركّزوا على السبب الذي يجعل عملكم مهماً بالنسبة لكم إذا كانت التزاماتكم المهنية تمنعكم من أخذ إجازة

أشياء لا يجب أن تفعلوها
لا تتفقدوا بريدكم الإلكتروني إذا كنتم في إجازة أو في عطلة نهاية أسبوع طويلة
لا تقضوا كل وقت راحتكم خارج ساعات العمل في الاستلقاء دون فعل شيء؛ بل حاولوا الانخراط في نشاطات تثير اهتمامكم وتشكّل تحدّياً بالنسبة لكم
لا تخلطوا بين حالة الإجهاد الدائم واللامبالاة وحالة الإنهاك المؤقت؛ فإذا كنتم تشعرون كل يوم بأنكم غير فعّالين في العمل، فلربما يكون الوقت قد حان للبحث عن وظيفة أخرى.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!