تابعنا على لينكد إن

حصلت خلال الركود الذي شهده عام 2009 على وظيفة مرموقة لدى وكالة تعمل في مجال التسويق. وبدا الأمر كأنه فرصة كنت أحلم بها. فقد كان عدد العملاء ضخماً، وكان الأجر ممتازاً، ونظراً للمناخ الاقتصادي في ذلك الوقت، كنت أَعدّ نفسي محظوظاً. لكن كلا، لم يكن العمل ممتعاً بالنسبة لي، إلّا أنه ماذا سيظن الناس بي إذا رفضتُه؟. حيث بدأت العمل يوم الاثنين، وفي كل صباح من ذلك الأسبوع، كان يتنامى لدي الشعور بعدم الارتياح. وفي يوم الجمعة، بينما كنت جالساً أشارك في مكالمة جماعية لمدة أربع ساعات، ضمن قاعة اجتماعات بلا نوافذ، لم أستطع التظاهر بأني لست تعيساً. وانتهى بي الحال بترك العمل في ذلك اليوم، بعد أقل من خمسة أيام من بدء العمل، وبدون وجود خطة بديلة، لكنني شعرت بإغاثة فورية مما كنت أشعر به.

من الضروري أن تحصل على هذه الوظيفة. من الضروري أن تنضم لمجلس الإدارة هذا. من الضروري أن تقبَل هذا العميل الجديد.

“الضرورات” هي الأشياء التي نؤديها مضطرين لأننا لم نفكر بعمق في أهدافنا الحقيقية، ونؤديها حتى من قبيل الخوف: ماذا لو لم نحصل على فرصة أُخرى أبداً؟، ماذا سيظن بنا الآخرون إذا رفضنا؟، وماذا سنظن نحن بأنفسنا إذا رفضنا؟، أحياناً تبدو الضرورات أشبه حتى بالأشياء التي نود القيام بها. لكنها، في واقع الأمر، تقف موقف المعارض القوي أمام رغباتنا الحقيقية، وهي تلك الأشياء التي نأمل ونسعى جاهدين للوصول إليها، وتلك الفرص التي هي بمثابة “القبول” الفوري. وعندما نستسلم للضرورات، ينتهي بنا الأمر وقد أُتخمنا بالالتزامات وتشتتت أفكارنا ووصلنا إلى أقصى درجة إنهاك. وحتى مع توافر حسن النوايا لدينا، ربما ينتهي بنا المطاف بجلب خيبة الأمل لنا ولمن يهمنا أمرهم أكثر من غيرهم.

والحقيقة هي أنّ تحقيق أفضل النتائج  كالرضا الوظيفي، والعلاقات المثمرة، والمشاريع الناجحة يتطلب أن نفنّد ضروراتنا. ويمكننا فعل ذلك من خلال طرح ثلاثة أسئلة تغير شكل الحياة، قبل اتباع مسار معين أو أخذ التزام جديد:

1 ما هي دوافعي؟

الكلام هنا عن الدوافع الداخلية لا الخارجية. والدافع الداخلي هو المحرك الذي يأتي من داخلنا، تعبيراً عن رغباتنا الحقيقية. بينما يوجد الدافع الخارجي في العوامل الخارجية، كالمال أو الهيبة أو الثناء، وربما يكون مقنعاً بشكل لا يصدق، لدرجة تدفعنا إلى القيام بأشياء ما كنا لنختارها فيما دون ذلك، بيْد أنه لا يقودنا دائماً إلى النجاح أو السعادة.

في الواقع، أظهرت دراسة أجراها تيم جادج (Tim Judge) وزملاؤه أنّ أكبر دافع خارجي لدينا وهو المال يرتبط برضا الموظفين بنسبة 2٪ فقط من الوقت. من ناحية أُخرى، وبحسب ما جاء في دراسة أجراها يون جيك تشو (Yoon Jik Cho) وجيمز بيري (James Perry)، فإنّ الموظفين الذين ترتبط دوافعهم الداخلية بعوامل كالفضول والوفاء يزيد انخراطهم في العمل ثلاثة أضعاف عن أولئك الذين تكون دوافعهم خارجية.

كيف تحدِّد دوافعك؟، اسأل نفسك عن سبب اتخاذك لقرار معين. هل تفكر في الانضمام إلى مجلس الإدارة هذا لأنك تشعر بوجوب قولك نعم لمثل هذه الفرصة المغرية؟، أم لأنك متحمس حقاً لرسالة المؤسسة؟، أو هل تفكر في عملية الاندماج هذه لأنه يجب قول نعم للمكاسب النقدية المحتملة؟، أم لأنها تتماشى تماماً مع رؤية شركتك طويلة المدى؟، وهل تفكر في شراء تذاكر لحضور هذا المؤتمر الرائع لأنك تشعر أنّ من الضروري التواصل معهم، في حين أنّ ما تريد القيام به حقاً هو حضور مباراة كرة القدم التي سيلعبها ابنك؟

بالطبع يكون من الصعب فصل الدوافع الداخلية عن الخارجية، فدوافعنا ليست سوداء وبيضاء وحسب. فقد تشعر أحياناً أنك تريد حقاً فعل شيء، ولكن إذا كنت صادقاً مع نفسك، فقد تعترف بأنك تريد فعله لأنك تود أن تُبدو (أمام نفسك والآخرين) كشخص لطيف أو سخي أو ذكي، وليس لأنك تريد أن تفعل ذلك حقاً.

إذا وجدت نفسك تقول نعم لشيء ما فقط من أجل المكافآت الخارجية (كالثناء والمال والهيبة)، بدلاً من الدافع الداخلي (الرغبة الحقيقية)، توقَّف وفكر فيما إذا كانت المهمة مجرد “ضرورة” يجب أن تفندها.

2هل تتماشى مع قيمي؟

القدرة على تفنيد ضروراتنا بثقة مسألة ترجع إلى مواءمة قراراتنا مع قيمنا الأساسية، ولا يمكننا فعل ذلك إذا لم نكن نعرف ما هي تلك القيم. ومن المحتمل أن تكون لديك فكرة عن الأشياء التي تقيم لها وزناً بشكل أكبر، لكن أن تكون صادقاً مع نفسك وتنقّح المنطق الذي تستند إليه تلك القيم سوف يساعدك على تحسين في مسألة تجنب الوقوع في شراك “الضرورات”.

وفي مقال بعنوان “هل تتماشى التزاماتك مع أولوياتك؟” يقترح دونالد سول (Donald Sull) ودومينيك هاولدر (Dominic Houlder) إنشاء ورقة عمل تضم أربعة أعمدة. حيث أنه في البداية، أَدرِج أهم الأشياء بالنسبة لك، مثل قضاء وقت ممتع مع العائلة، أو الأمن المالي الذي يسمح لك بالتقاعد مبكراً. إذ يقترح المؤلفان أن تكون محدداً فيما تدرجه (لا تكتب مثلاً “الأسرة” أو “المال” وحسب) وأن تدرج ما لا يقل عن خمسة أشياء في العمود الأول لتعكس مختلف جوانب حياتك. وقم بتسمية الأعمدة الثلاثة الأُخرى بأسماء مواردك الخاصة كالمال والوقت والطاقة. واستعرض القيم التي أدرجتها، مقيِّماً مقدار كل مورد تنفقه على تلك القيم.

 

يقول المؤلفان: “إنّ الفكرة الأساسية هي تحديد الفجوات الكبيرة وهي القيم المعلنة التي تتلقى القليل أو لا تتلقى شيئاً من مواردك الشحيحة، أو قيمة واحدة تبتلع حصة غير متناسبة من المال والوقت والطاقة من القيم الأُخرى”.

إلى جانب ذلك، جرب التدريب الخاص بالقيم، ثم حدد قراراً يتعلق بـ”الضرورة” اتخذته مؤخراً أو تفكر في اتخاذه. أين يتناسب هذا القرار مع قائمتك؟، هل سيستهلك الوقت أو المال أو الطاقة التي تود تخصيصها لأحد التزاماتك الأساسية الأُخرى بدلاً منه؟.

ويصبح هذا الأمر شاقاً حقاً عندما تتنافس القيم، حتى بالنسبة لشخص يدرّب الآخرين على ذلك ليكسب لقمة العيش. فعلى سبيل المثال، وافقت مؤخراً على المشاركة في حوار متبادل من أجل الصالح العام ضمن مؤسسة غير ربحية، لأن القضية كانت مصدر إلهام حقيقي لي. وعلمت أيضاً أنّ هناك إمكانية لإقامة علاقات مثمرة. ومع اقتراب الحدث، وجدت نفسي، بالرغم من ذلك، أشعر بالمزيد من الرهبة، لأنني لم أفكر كما ينبغي فيما قررت التخلي عنه من أجل ذلك الحوار: “عطلة نهاية الأسبوع الثمينة مع عائلتي”.

3هل أملك خيارات؟

بطبيعة الحال، يتعين علينا أحياناً أن نفعل أشياء بدافع أسباب خارجية، أو نفعل أشياء تُقصينا عن أهم التزاماتنا. إذ تنطوي كل وظيفة على بعض الجوانب السخيفة أو المزعجة بكل ما تعنيه الكلمة. فعلى سبيل المثال، يكره الناس بوجه عام التشبيك مع الآخرين، غير أنه جزء من عملية تكوين عملاء جدد.

ولكن من المهم إدراك أنه حتى الأشياء التي لا نشعر أنها اختيارية تكون اختيارية بالفعل في كثير من الأحيان. كما تقترح نظرية تقرير المصير أنه من أجل العمل، أو الشعور بالدافع للعمل، نحن بحاجة إلى الشعور بأننا ندير دفة الأمور. حيث سنستمتع بالشيء أكثر إذا أدركنا أنه خيار.

والعكس يكون صحيحاً في كثير من الأحيان، فعندما نشعر بأن علينا فعل شيء، نبدأ في فقدان إحساسنا بالاستقلال، حيث يحتل الالتزام مكانه.

وفي هذا السياق، كنت أعمل مع محامية كانت تشعر في كثير من الأحيان أنّ عليها الذهاب إلى المكتب في عطلة نهاية الأسبوع من أجل أن تُثبت التزامها بحياتها المهنية. وما النتيجة؟، إنها لا تنتج عملاً دون المستوى وحسب، بل وتمقته أيضاً. وتملك خيارين، الأول: أن تواصل السير في مسار الشركاء، وتعمل تلك الساعات من منظور جديد ومتمكن، أما الثاني: تقرر أن الوجهة لا تستحق مشقة الرحلة، وتتراجع إلى الوراء وهي على علم بأنها الرحلة التي تبغي الاستمتاع بها. حيث أنه لا خطأ في أي من الخيارين، لكن استيعابها لمسألة أنها تملك الخيار غير نظرتها للموضوع.

إلى جانب ذلك، تشعر مديرة تنفيذية بالشركة أنها يجب حضور كل اجتماع تُدعى إليه، على الرغم من وجود القليل من الوقت لإكمال المهام الفعلية، وتجد نفسها تقضي ساعات المساء محاولة اللحاق بالركب. هل هي بحاجة إلى أن تكون حاضرة في كل اجتماع؟، كلا، ولكن بوسعها أن تتخذ خياراً: بأن تستمر في الذهاب للاجتماعات غير الضرورية، وتعيش في حالة من التعاسة، أو تتوقف عن الحضور وتثق في أعضاء فريقها ليباشروا وظائفهم، ولتفوز هي بوقت فراغها من جديد.

عليك أن تعلم أنك أنت مهندس حياتك. لا تدع الآخرين يصممونها لك. ولا تنس أنك تملك خياراً في معظم حالات الضرورة.

أخيراً، إنّ التملص من ضروراتنا ليس بالأمر الهين. فنحن جميعاً نقبل المشاريع والالتزامات لأسباب خاطئة، لأننا لا نعتقد أن بإمكاننا الرفض، ويكون ذلك على حساب قيمنا. ما إن تتمكن من تحديد ضروراتك، يصبح أسهل وأسهل أن ترفضها، وتبدأ في قبول الأشياء التي تتماشى واقعياً مع أهدافك، والأشياء التي ينبغي عليك القيام بها حقاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz