هناك مطعم متواضع في مدينة دالاس الأميركية اسمه تشوب هاوس برغر، يقدم مخفوق الحليب الطازج ورقائق البطاطا المقلية مع الكمأة وجبن البارميزان بالإضافة إلى ستة أصناف مبتكرة من شطائر البرغر. لقد مضت ثمانية أعوام على افتتاح هذا المطعم في قطاع تفشل فيه نسبة 80% من المطاعم الجديدة خلال الأعوام الخمسة الأولى. وهناك دليل في قصة نشأة هذا المطعم على سبب نجاح بعض المنتجات والشركات في السوق في حين تذوي غالبيتها وتنتهي.

هذا المطعم هو فرع لمطعم دالاس تشوب هاوس، وهو مطعم فاخر على بعد شارعين يقدم شرائح اللحم، وهو معروف بعدد من وجبات اللحم الشهية المصنوعة من اللحم المجفف في المطعم والمملح بملح الهيمالايا البحري. وفي محاولة لتنويع قائمة الأطعمة المقدمة في هذا المطعم قدم مالكوه وجبة برغر فاخرة. وعلى الرغم من روعة وجبات شرائح اللحم، إلا أنّ وجبات البرغر هذه أصبحت إحدى أكثر الوجبات شهرة في قائمة المطعم. لذلك قرر ملاك المطعم بناء مطعم خاص بها.

لا يعمل جميعنا في قطاع المطاعم، ولا نملك شركات لاختبار الأفكار الجديدة فيها. ولكن قيمة بناء الطلب قبل إنشاء الشركة هو أمر على قدر من الأهمية بالنسبة لنا، سواء كنا ننشئ شركة جديدة أو مجرد منتج جديد.

في شهر فبراير/شباط الماضي، أجرت قاعدة بيانات رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة، سي بي إنسايتس (CB Insights)، مراجعة مكثفة لفحص الأمور التي تسهم في فشل الشركات الجديدة. وبعد تحليل بيانات 101 شركة ناشئة فشلت في بداياتها وجد المراجعون أنّ 42% من هذه الشركات عانت من نقص في الطلب على المنتجات أو الخدمات التي تقدمها. واستخدم المراجعون جملة قاسية لوصف سبب الفشل، وهي: “لا يحتاج السوق إليها”.

هذا الخطأ بمفرده سبب أذى كبيراً للشركات أكثر من أشهر التحديات التي تواجه الشركات الناشئة، كتدفق الأموال النقدية (29%) والمنافسة (19%) والتوقيت السيء (13%) على سبيل المثال.

تثير هذه النتائج سؤالين: كيف يمكن لروّاد الأعمال أو مطوري المنتجات الجديدة اختبار أفكارهم قبل استثمار الكثير من الوقت ورأس المال المطلوبين لتنفيذها فعلياً؟ كيف يمكننا تحديد الأفكار الناجحة بدلاً من هدر جهودنا على الأفكار القابلة للفشل؟

إليك ثلاث استراتيجيات تستحق التجربة:

ابحث عن منافسين ناجحين. عندما يتعلق الأمر ببناء الطلب، يشكل المنافسون الناجحون إشارة جيدة، وليس إنذاراً بالخطر كما يعتبرهم روّاد الأعمال. فكونك أول من يتحرك في مجال ما يمنحك مزايا ظرفية، بينما يمنحك الظهور في وقت متأخر فائدة المنظور الإضافي.

واليوم، إذا كنت على وشك إطلاق برنامج جديد لتحرير الصور الفوتوغرافية، أو مشروب جديد أو خدمة جديدة لتأجير السيارات، يمكنك الوثوق بأنّ ما تعرضه سيتم استيعابه وطلبه عند مستوى معين. وعلى الرغم من ذلك يبقى واجب عليك لفت انتباه زبائنك المستهدفين، كما سيتوجب عليك تمييز نفسك عن منافسيك، وسيكون هناك الكثير من الطرق على الرغم من ذلك لفشل منتجك أو خدمتك. ولكنك ستكون على الأقل ضمن حدود خريطة النجاح المحتمل.

يضم قطاع خدمة توصيل الأطعمة أمثلة ممتازة لشركات تتبع الطلب الذي أثبته لاعبون سابقون في هذا المجال، كشركتي سيمليس (Seamless) وغريبهاب (Grubhub). إذ اشترت شركة ييلب (Yelp) شركة إيت 24 (Eat24) من أجل الاستفادة بشكل أفضل من قاعدة الزبائن المحبين للطعام لديها. كما طبقت شركة أوبر نموذج السائقين الناجح لديها على توصيل الوجبات وأنشأت شركة أوبرإيتس (UberEats)، التي تخطت خدمة سيارات الأجرة المشتركة في بعض الأسواق. كما استحوذت منصة الدفع سكوير (Square) على منصة كافيار (Caviar)، ومنحت بذلك ملاك المطاعم طريقة بسيطة لقبول الدفع ببطاقات الائتمان وتوصيل الوجبات.

يترافق الخوف الواضح من التعرض للهزيمة أمام المنافسين مع دخول مجال يضم شركات ناجحة فعلياً. إنها مجازفة حقيقية. ففي قطاع خدمة توصيل الأطعمة، تميزت الشركات عن طريق إيجاد شركاء من المطاعم الجديدة والتوسع إلى مناطق جديدة وتقديم نماذج تسعير مميزة. ولكن لا يمكن لهذه الفرص أن تكون حاضرة في كل القطاعات.

إلا أنه من المجدي التفكير بالأرقام بصورة أساسية. في الدراسة التي أجرتها شركة سي بي إنسايتس، كانت 19% فقط من الشركات التي فشلت في بداياتها تقول إنها هُزمت في المنافسة، وعزا أقل من نصف هذا الرقم فشله إلى نقص الطلب.

تفقد حركة البحث على الإنترنت. عندما يبحث المرء عن منتج ما لمعالجة مشكلة يواجهها، يكتب ما يبحث عنه في محرك البحث جوجل. ومن خلال البحث عن الكلمات المفتاحية يستطيع  روّاد الأعمال معرفة ما يبحث عنه الناس والاستفادة من نتائج البحث لقياس الطلب على فكرة منتج أو خدمة ما.

وبحسب برنامج البحث عن الكلمات المفتاحية آرفس (Ahrefs)، يبحث 27,000 شخص شهرياً عن “برامج بديلة لفوتوشوب”، ويبحث 4,000 شخص عن “جزازة عشب آلية”، ويبحث 100 شخص عن “خدمات تسجيل حسابات سائقي الشاحنات”.

كل واحد من هذه المصطلحات له عدة مصطلحات مماثلة تزيد من الرقم الكلي للبحث الشهري. يمكنك أيضاً قياس الطلب المحتمل عن طريق البحث عن بحث أشمل لا يركز على حل محدد ولكنه يثبت وجود مشكلة يمكنك حلها.

بالنسبة للأمثلة التي ذكرناها آنفاً، يمكن أن تشكل تعابير “كيف أُجري تعديلات على الصور” أو “ليس لدي الوقت لجز عشب حديقتي” أو “دليل تسجيل الحسابات لسائقي الشاحنات” بحثاً جديراً بالاستكشاف.

ليس هناك كمية معيارية لحجم البحث الذي يمكنك القيام به لإقرار طلب سليم في السوق. سيتوجب عليك ترجمة البيانات في سياق صناعتك المحددة وأهداف شركتك. ولكن تأكيد أنّ هناك أشخاص يبحثون عن منتج أو خدمة كالتي تقدمها هو إشارة جيدة، ومن خلال حملات جوجل آد وردز (Google AdWords) أو الإشهار في محركات البحث أس أي أو (SEO)، ستتمكن من  الظهور أمام هؤلاء الأشخاص تحديداً إذا قررت تنفيذ الفكرة.

اختبر الوعود التسويقية لمنتجك. لا يقوم الناس بشراء المنتجات، بل يشترون الوعود. عموماً، لا يعلم الزبائن حقاً نتيجة امتلاك منتج إلا بعد شرائه فعلياً. ولا ينفقون المال على فوائد محققة فعلاً، بل يدفعون النقود للفوائد التي تعد بها أعداد المبيعات والتزكيات.

هذه معلومات أساسية بالنسبة لأي شخص يحاول اختبار منتج أو خدمة جديدة لأنها تقترح أنك لست بحاجة لمنتج مكتمل لإقرار الطلب على فكرة ما.

يمكنك إنشاء النسخة التسويقية لعرضك الافتراضي واختباره عن طريق الاستبيانات أو المقابلات التي تجريها مع زبائنك المحتملين المستهدفين. وبالطبع، أكثر اختبارات الطلب دقة ستحتاج استخدام الزبائن لبطاقات ائتمانهم، وإحدى الطرق لدفعهم للقيام بذلك هو البيع المسبق للنماذج كما تفعل شركة كيك ستارتر (Kickstarter).

ليس هناك نظام مثالي لإقرار الطلب على منتج أو خدمة بصورة مسبقة، ولكن ذلك لا يعني أنه ليس عليك الالتزام بالحرص الواجب. ففشل الشركات أمر مكلف، إذ يؤدي إلى خسارة رأس المال وهدر الوقت والإضرار بالثقة. سيصعب التنبؤ ببعض التحديات التي لم تستطع دراسة شركة سي بي إنسايتس تغطيتها كالتوقيت، وما إن كنت قد وظفت الأشخاص المناسبين، وما إن كنت ستصنع المحاور اللازمة بعد إطلاق الشركة. ولكن الطلب عنصر أساسي يمكنك التحقق منه مسبقاً، بصورة جزئية على الأقل.

لو قامت 42% من الشركات التي أجريت عليها دراسة شركة سي بي إنسايتس بالمهمة بشكل أفضل من خلال قياس الطلب مسبقاً، لكانت قد اختارت السعي لتحقيق أفكار أكثر موثوقية، ما كان سيترتب عليه تهيئة الشركة لتجنب الفشل بصورة أفضل وتحقيق النجاح في وقت أقل.

وعلى كل حال، كلما قلت انعطافاتنا على الطريق، يكون وصولنا إلى أهدافنا أسرع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

1
اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 المتابعين
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
moktbs Recent comment authors
  شارك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
التنبيه لـ
moktbs
عضو
moktbs

مقال جميل ولا بد من بأن نؤمن بإنه لابد من المجازفة أحياناً في بعض الأحيان للدخول الي السوق.

error: المحتوى محمي !!