تابعنا على لينكد إن

ثمّة مشهد عظيم يرد في الجزء الثاني من الفيلم الأمريكي الشهير “العرّاب” (The Godfather). في هذا المشهد، تشتكي “كاي” إلى زوجها “مايكل كورليوني” قائلة له أنه لم يفِ بوعده بأن يجعل كل عمله قانونياً، وبأن يترك عصابات المافيا. غير أن ميشيل يلتفت إلى زوجته ويخبرها بأنه لازال يعمل على الموضوع، ويطمئنها وبنبرة توكيدية قائلاً: “سوف أتغيّر، نعم سوف أتغيّر – لقد بتّ أعرف أنني أمتلك القوّة كي أتغيّر”.

صحيح أن لا أحد فينا ينتمي إلى عصابات المافيا، إلا أننا نشبه مايكل كورليوني في أننا لا نحسن تقدير قابلية التغيّر لدينا. فمن الناحية النظرية، بوسع أي مرء أن يتغيّر، ولكن عند التطبيق العملي معظمنا لا يُقدِمُ على أي شيء من التغيير، باستثناء بعض التغيّرات التدريجية المعروفة التي تؤثر في معظمنا.

فغالبية الناس يبدون نزعات اجتماعية عدائية في سن المراهقة، ويميلون إلى التفكير ببطء في أواخر سن البلوغ؛ غير أن هذه التغيّرات لا تشير بأي حال من الأحوال إلى تحوّلات نفسية، وإنما هي علامة على النضوج الجسدي والتقدّم في العمر. كذلك الأمر، هناك تغيّرات نموذجية طبيعية تطرأ على شخصية الإنسان خلال سني حياته. فبعض الناس يصبحون أكثر هدوءاً ونضجاً مع تقدّمهم في العمر، وآخرون يصبحون أكثر انفعالاً وأضيق أفقاً.

لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما إذا كانت التغيّرات الجذرية قابلة للحصول أصلاً؟

توجد أمثلة كثيرة شهيرة توضح التحوّلات الجذرية التي تطال سمعة الناس وشهرتهم. كتلك التي طرأت على الفنانة مايلي سايروس التي تحوّلت من نجمة بريئة في ديزني إلى شخص منحرف يتباهي بمد لسانه أمام الكاميرات. ولكن في بعض الأحيان قد تبدو تغيّرات كهذه أشبه بحملات العلاقات العامّة المدروسة بعناية، أكثر منها رحلات نفسية حقيقية، وإن كان العديد من الناس يمرّون بتحوّلات أصيلة لا يمكن إنكارها.

لنأخذ حالة بيل غيتس الذي بدأ حياته كنموذج للطالب المولع بالكمبيوتر، ثم تحوّل إلى رائد أعمال موهوب، ليصبح لاحقاً صاحب امبراطورية يبنيها دون أي شفقة أو رحمة، وينتهي به المطاف كواحد من أكرم أهل الخير في العالم، إذ وهب معظم ثروته لصالح الناس. ثم هناك الراحل نيلسون مانديلا، أعظم الأشخاص خلقاً في عصرنا، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان، فقد كان مصاباً بالغرور والعدوانية والمشاعر الاجتماعية المعادية في صباه، قبل أن يتحوّل إلى قائد مُلهِمِ لكل الناس من خلال مسيرته القائمة على المقاومة اللاعنفية.

ومع ذلك فإن الدراسات العلمية تشير إلى أن التغيّرات الجذرية في شخصية الإنسان هي أمر غير اعتيادي. كما أن المحاولات المتعمّدة لتغيير عادات المرء أقل نجاعة بكثير ممّا يعتقد الناس، وهو الأمر الذي يجعل كل الوعود التي نقطعها في رأس السنة الجديدة تذهب أدراج الرياح دون أن يتحقق شيء منها، وهو السبب الذي يفسّر أن مستويات سعادتنا على المدى البعيد تظل ثابتة نسبياً، مهما كان حجم التغيّرات التي قد تحصل.

فبعض الناس قادرون على التغيّر أكثر من أناس آخرين. لكن المفارقة في الأمر تكمن في أن هؤلاء الأفراد يميلون إلى كونهم أكثر تشاؤماً حيال فرصهم الذاتية في التغيير. فالأشخاص العصابيون، والانطوائيون، والذين يشعرون بعدم الأمان والقلق يندرجون في خانة الناس الأقدر على التغيّر، أمّا الأفراد المرنون وذوو القدرات التكيّفية العالية، فهم أقل قدرة على التغيّر. وعلى المنوال ذاته، فإن التفاؤل يقود إلى الثقة الزائدة ويعيق التغيير من خلال توكيد الآمال الكاذبة والتوقعات غير الواقعية وإعطاء صاحبها الشعور الدائم بأنها قابلة للتحقق.

إذاً، كيف بوسعنا أن نتغيّر؟ الوصفة السحرية لذلك واضحة وصريحة، لكن تطبيقها ليس يسيراً على الإطلاق. نحن بحاجة إلى أن نبدأ ببناء الوعي الذاتي، وأفضل سبيل لتحقيق ذلك هو من خلال اصغائنا لآراء الآخرين الصريحة والنقدية، وتصديقها. بعد ذلك، يجب أن نضع استراتيجية واقعية تركّز على أهداف قابلة للتحقق وليس على جوانب أساسية في شخصيتنا. أخيراً، نحن بحاجة إلى قدر هائل من الجهد والتفاني كي نحقق هذه التغيّرات المنشودة، وكي نحافظ عليها في الوقت ذاته.

لذلك يجب أن تفكّروا ملياً قبل أن تعدوا أنفسكم وتعدوا الآخرين بالتغيير. وإذا ما سبق لكم وحاولتم التغيير وأخفقتم في ذلك، فاعلموا أنكم لستم وحدكم، وأن كثيرين قبلكم ساروا على هذا الدرب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

3 تعليقات على "إذا أردت أن تتغير فلا تقرأ هذا المقال"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Maged1973
زائر
Maged1973
2 سنوات 4 شهور منذ

التغيير هي سمة العظماء وهي دليل شجاعتهم وثقتهم بأنفسهم وعدم الإكتراث بأراى المثبطين

samarroz
زائر
samarroz
2 سنوات 4 شهور منذ

ياريت يكون في توضيح اكتر للي ممكن نعمله علشان نتغير للأفضل

Editor2
تحرير
2 سنوات 4 شهور منذ

تحياتي لك عزيزتي، هل قمتِ بقراءة المقالات المنشورة في قسم “إدارة الذات”؟
يوجد في هذا القسم العديد من المقالات التي ساعدت العديد منا على إحداث تغيير في بعض الجوانب المهنية والحياتية، نتمنى لك قراءة ممتعة.
قسم إدارة الذات: http://goo.gl/jhhQWT

wpDiscuz