على الرغم من مرور قرن من تخمينات المدراء والعلماء، لم نزل نعرف القليل عما إذا كان بإمكان بعض الإشارات التي تبدر من الموظفين التنبؤ بما إذا كانوا على وشك الاستقالة.

لقد استقصينا عن هذه المسألة بالذات، لمساعدة المدراء والشركات على تحديد الموظفين الذين على خطر الاستقالة، وكشفنا عن مجموعة من التغيّرات السلوكية التي أبداها الموظفون (التي نسميها “سلوكيات ما قبل الاستقالة”)، والتي تُنبئ بقوة عن الاستقالات الطوعية خلال فترة الـ12 شهراً التي تتلوا ملاحظة المدراء لها. ولقد كان مصدر إلهام استقصائنا دراسة أجراها عالما النفس التطوريين، ديفيد باس وتود شاكلفورد، والتي تُبين أنّ الشركاء العاطفيين تبدو عليهم أمارات تشير إلى ما إذا كانوا يقعون في الخيانة أم لا. هذا الرأي تدعمه سلسلة من الدراسات الكلاسيكية لعالم النفس جون جوتمان، حيث يحدد كيف أنّ إشارات معينة، لفظية وغير لفظية، تصدر عن الزوجين أثناء تفاعلات قصيرة مصورة بالفيديو، قد تُنبئ عن طلاقهما في نهاية المطاف.

لكن عالم الرومانسية ليس المكان الوحيد الذي يمكن أن تظهر فيه الإشارات. فلاعبو البوكر تبدر منهم “إيماءات” تبوح بقوة أيديهم، بينما نجد لاعبي كرة القدم الأميركية يقرؤون سلوكيات منافسيهم ليحددوا كيف سيتصرفون بعد التقاط الكرة. وتُظهر الأبحاث أنّ المجرمين أصبحوا على قدر كبير من الذكاء في اكتشاف المخبرين أو الشرطة السرية المندسة بينهم.

ولكي نفهم كيف يمكن للإيماءات أن تلعب دوراً في مكان العمل، فقد سعينا أولاً لرصد مجموعة كبيرة من التغيّرات السلوكية التي تطرأ على الموظفين وتشير إلى دوراناتهم المستقبلية. حيث طلبنا من 100 مدير أن يجيب على السؤال التالي: فكر للحظة في الزملاء والمرؤوسين الذين استقالوا طوعاً من شركتك في العامين الماضيين. كيف كان سلوكهم في الأشهر التي سبقت الاستقالة مختلفاً بشكل ربما أوحى لك بأنهم في طريقهم لترك العمل؟ وطلبنا أيضاً من 100 موظف أن يصفوا لنا تغيراتهم السلوكية قبل أن يتركوا وظائف سابقة. وأسفرت تلك الاستقصاءات عن أكثر من 900 سلوك من مختلف سلوكيات ما قبل الاستقالة. لقد ذكر المشاركون في الاستطلاع تغيّرات سلوكيّة غريبة نسبياً (منها مثلاً أنّهم “توقفوا عن الاهتمام بالمظهر الشخصي” و”أصبحوا عدوانيين تجاه غيرهم من الموظفين”)، فضلاً عن العديد من السلوكيات الشائعة (مثل “ضعف الرغبة في التطوع لصالح المشاريع الخاصة”، و”تناقص الحضور في اجتماعات الموظفين”).

بالنسبة للمرحلة التالية من البحث، قمنا بتحرير وتنقيح قائمة السلوكيات، التي تربو عن 900 سلوك، وحولناها إلى استبيان منظّم يضم 116 بنداً. وقمنا بإدارة هذه الدراسة المؤقتة وتطبيقها على ثلاث عينات إضافية من المدراء، حيث حددت أول مجموعة من المدراء عدد المرات التي أظهر فيها مستقيلون سابقون هذه السلوكيات قبل ترك العمل. واستبعد نصف المئة وستة عشر سلوكاً لأنها كانت تحدث بشكل غير منتظم (منها مثلاً أنّهم “طلبوا من زملاء العمل معرفة جهات اتصال بشركات أخرى” و”بدت عليهم تغيّرات مزاجية مفاجئة ومتكررة”). ثم قمنا بتوزيع هذا الاستقصاء المخفّض على مجموعة أخرى من المدراء الذين قدروا عدد المرات التي تبدر فيها هذه التصرفات من مرؤوسيهم الحاليين. وقمنا بعد ذلك بتحليل هذه التصنيفات، وعزلنا مجموعة مكونة من 13 سلوكاً ترتبط ببعضها البعض بشكل كبير جداً، والتي تمثل على خير وجه نزعة الموظفين تجاه الدوران الطوعي في المستقبل القريب. وأخيراً، قمنا بتأكيد هذه النتيجة مجدداً بأن طلبنا من مجموعة أخرى أضافية من المدراء أن يصفوا سلوكيات موظفيهم من خلال الاستطلاع النهائي المكون من 13 بنداً.

وتمثلت سلوكيات ما قبل الاستقالة، التي صمدت حتى النهاية، في ما يلي:

  1. انخفضت إنتاجية عملهم أكثر من المعتاد.
  2. تصرفوا كفريق عمل بشكل أقل من المعتاد.
  3. أنجزوا أدنى حد من العمل بشكل متكرر أكثر من المعتاد.
  4. كان اكتراثهم بإرضاء مديرهم أقل من المعتاد.
  5. كان استعدادهم للالتزام بالجداول الزمنية الطويلة الأجل أقل من المعتاد.
  6. أبدوا تغيّراً سلبياً في مواقفهم.
  7. أظهروا جهداً وتحفزاً للعمل أقل من المعتاد.
  8. أبدوا تركيزاً على المسائل المتعلّقة بالعمل أقلّ من المعتاد.
  9. عبّروا عن عدم رضاهم عن وظائفهم الحالية بشكل متكرر أكثر من المعتاد.
  10. عبّروا عن عدم رضاهم عن المشرف عليهم بشكل متكرر أكثر من المعتاد.
  11. غادروا العمل مبكراً بشكل متكرر أكثر من المعتاد.
  12. فقدوا التحمس لرسالة الشركة.
  13. أبدوا اهتماماً بالتعامل مع العملاء أقل من المعتاد.

كانت الملحوظة الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المرحلة الثانية من بحثنا هي السلوكيات التي لم تنج من عملية الفحص والتدقيق. لاحظ أنّ السلوكيات الـ13 الأساسية لا تشمل “ارتداء ملابس أكثر أناقة عند الذهاب للعمل” أو “ترْك سيرة ذاتية على الطابعة” أو “التخلف عن العمل من أجل مواعيد الأطباء بشكل متكرر أكثر من المعتاد”. هذه السلوكيات، وكثير من السلوكيات المشابهة التي دخلت حيز أمارات المدراء الرئيسة على الاستقالة الوشيكة، نادراً ما كانت تُلاحظ، أو لم تلتق إحصائيا مع السلوكيات الأساسية التي تمثل ميلاً عاماً للاستقالة. ذلك أنّ هذه السلوكيات ربما توحي بالدوران الوظيفي في المستقبل، لكنها ليست راسخة رسوخ سلوكيات ما قبل الاستقالة الـ13 الأساسية في مجموعة واسعة من الوظائف والصناعات والنطاقات الجغرافية.

قمنا في دراستنا النهائية بالاستقصاء عن مدى دقة توقّع حدوث سلوكيات ما قبل الاستقالة الـ13 الأساسية للدوران الطوعي في المستقبل. إذ طلبنا من عينة كبيرة من المدراء، وجميع العاملين مع شركات مختلفة، استخدام الاستقصاء ذي الـ13 بنداً لوصف التغيرات السلوكية الأخيرة لمرؤوس تم اختياره عشوائياً. وبعد مرور 12 شهراً اتصلنا بالمدراء مرة أخرى لمعرفة ما إذا كان أولئك الموظفون ما زالوا على قوة العمل أم أنهم استقالوا طوعاً. وبعد المراقبة الإحصائية لمختلف سمات الموظفين التي قد تُنبئ بالدوران المستقبلي (كالعمر والمنصب والتعليم، وغير ذلك)، فضلاً عن توقعات المدراء الشخصية عما إذا كان الموظف سيترك العمل خلال الأشهر الـ12 المقبلة أم لا، كان قياسنا لم يزل قادراً على توقع الدوران الطوعي للموظفين. فكلما ظهرت على الموظف سلوكيات ما قبل الاستقالة، كان من الأرجح أنه سوف يستقيل.

وبشكل أكثر تحديداً، عندما كانوا يصنفون موظفاً ما على أساس كل سلوك (1 = أعترض بشدة، 2 = أعترض، 3 = لا أوافق ولا أعترض، 4 = أوافق، 5 = أوافق بشدة)، كان احتمال الدوران المتوقع، بالنسبة لمن حصلوا على متوسط ​​درجات 4.2 أو أعلى، ضعف احتمال دوران الموظف العادي. بالطبع ربما تؤثر عوامل أخرى على ما إذا كان شخص ما سيترك الشركة، لكنّ درجة عالية كهذه توحي بأنّ خطر الدوران الوظيفي مرتفع بما يكفي لاسترعاء الانتباه.

والسؤال المنطقي التالي هو: ما الذي يجب عليك فعله عندما تظهر هذه السلوكيات على شخص كنت ترأسه، أو كيف يجب أن تفكر فيها إن كنت أنت نفسك تبحث عن عمل آخر.

بالنسبة للمدراء، تتمثل نصيحتنا لهم في أن يركزوا في المدى القصير على استبقاء الموظّفين المتميزين. إنّ الشركات عادة ما تعالج مشكلة دوران الموظفين بإجراء تدخلات واسعة النطاق لزيادة الالتزام والرضا الوظيفيّ والمشاركة في العمل، في الإدارات أو على مستوى الشركة ككل. قد تفلح هذه الاستراتيجيات، لكنها تستغرق وقتاً طويلاً في التصميم والتنفيذ. إنّ التفكير من منطلق مخاطر دوران الموظفين يسمح لك بأن تستثمر وقتك ومواردك في هؤلاء الموظفين الذين يمثلون أعظم قيمة، وهم بالفعل على خطر الاستقالة.

هناك طرق عديدة للاستثمار في الموظفين الذين تخشى من أن يفكروا في الرحيل، مثل زيادات الأجور، والترقيات، والمشاريع الخاصّة، وغير ذلك. ومن بين الأساليب المتبعة في هذا الشأن استخدام ما يسمى “مقابلات البقاء”. فبدلاً من إجراء مقابلات الخروج من الشركة وحسب لمعرفة السبب الذي دفع الموظفين الأكفاء للاستقالة، قم بعقد مقابلات منتظمة وجهاً لوجه مع الموظفين أصحاب الأداء العالي الحاليين لمعرفة ما يبقيهم على رأس العمل في شركتك، وما يمكن تغييره لمنعهم من الشرود.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ الموظفين في خضم موجة الرحيل عن الشركة غالباً ما يأخذون معهم المعلومات الخاصة بالعملاء أو بملكية المنتج. وكما يعرف معظمنا، فإنّ الخروج السريع يمكن أن يُخلف وراءه فجوة في عمليات الشركة تُحدث ضرراً طويل الأمد. ورغم أنه من المهم أن ندرك حقيقة عدم وجود ما يضمن أنّ الموظفين الذين تبدر منهم سلوكيات ما قبل الاستقالة سيتركون العمل بالتأكيد، فإنّ السلوكيات التي تحددت كمخاطر للفرار من العمل ينبغي رصدها على محمل السلوك البغيض. وإنّ التخطيط لعملية الإحلال بعد رحيلهم قد يمنع الأضرار الناجمة عن الاستقالات غير المتوقعة.

أما إن كنت تبحث عن وظيفة جديدة في سوق العمل؟ فإنّ مسألة إخفاء سلوكياتك التي تسبق الاستقالة تكون من الصعوبة بمكان. إذ لا بدّ أن تعلم أنّه نظراً للعواقب السلبيّة لدوران الموظفين، فإنّ من المحتمل أن يراقب رؤساؤك وزملاؤك التغيّرات الجليّة والبسيطة في سلوكك، وأنّه ليس ثمة تصرف وحيد بعينه هو الذي يكشف المستور. بل إنّ أنماط السلوك التي ربما تبدو بسيطة في ناظريك من الممكن بمرور الوقت أن تدقّ ناقوس الحذر لرئيسك في العمل. وعليه، نقترح عليك أن تبقى منخرطاً في عملك، وأن تستمر في إظهار التحمّس لرسالة الشركة، وأن تُظهر مستوى ثابتاً من الطاقة العلائقيّة تجاه أعضاء فريق عملك.

إنّ المبدأ الأساسي لإدارة دوران الموظفين هو أنّ الجميع يرحلون في نهاية المطاف، لكنّ “توقيت” الرحيل قد يبدو وكأنه لغز. وبالرغم من أنّ بحثنا لا ينبغي النظر إليه باعتباره الطريقة الوحيدة لتحديد ما إذا كان الموظف على وشك أن يترك العمل، فإنّه يشير بالفعل إلى مجموعة من السلوكيات التي لو نظرنا إليها مجتمعة سنجد أنها يمكن أن تمدنا بخيط لحل اللغز، كما أنها تستبعد السلوكيات التي ربما يُنظر إليها بطريق الخطأ على أنها أمارات على الرحيل. وبالتالي فإنك في المرة القادمة، إن كان لديك أدنى فكرة حول ما إذا كان شخص ما على وشك الاستقالة، فاعلم أنك قد تكون محقاً عندما تأخذ المؤشرات الصحيحة بعين الاعتبار. وكما أنشدت دولي بارتون قائلة: “رغم أنك لم ترحل بعد عني، فإنني أعلم أنّ وجودك مساو تماماً لرحيلك عني”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!